ربحت الملعقة أما جيش الإحتلال

من بين صخر الأرض خرج الأسرى الستة من أسفل جدران سجن جلبوع مشدد الحراسة الموصوف "بالخزنة"، لتشتعل من جديد قضية من أهم قضايا الصراع مع الاحتلال -رغم حضورها الدائم- والتي تحتل مكانة مهمة في الوعي والوجدان الفلسطيني. فقضية الأسرى تعتبر فرعاً أصيلاً من نضال الشعب الفلسطيني، وأحد مقومات القضية الفلسطينية، لما تمثله من قيمة معنوية ونضالية وسياسية لدى كل الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم.

أسرانا ليسوا مجرد أبناء الوطن المغيبين، بفعل إجرام الاحتلال المتكرر، بل هم أبطال ثاروا فناضلوا وضحوا، ثم أفنوا زهرات شبابهم خلف قضبان السجون، ومنهم من قضى نحبه، من أجل فلسطين ومقدساتها. وهم أهازيج الحرية، التي ما زالت تنشدها ماجداتنا، لينشأ عليها فتياننا حاملين معهم هدف التحرير الذي ما غاب عن وعيهم وحتى أحلامهم.

لقد أظهرت حادثة فرار أسرانا الستة من سجن "جلبوع" جانبين مهمين في حياة الأسرى، الأول يتعلق بمدى المعاملة غير الإنسانية التي يتعرض لها أسرانا في سجون الإحتلال جراء الإجراءات القمعية، ومدى القهر الذي يحمله أسرانا، إذ تحولت السجون لساحات قمع، وإهانة ليس الهدف منها بصورة أساسية معاقبة الأسرى بل الأمر يتخطى ذلك ليعاقبوا ذويهم الذين يرون مشاهد القمع من خلال شاشات التلفاز والتي تعرض تلك المشاهد بإيعاز وتسريب متعمد من إدارة السجون لكسر عزيمة الفلسطينيين وإيهامهم بأن الثورة والنضال مصيرها الموت ببطء بين جدران السجون القاتمة.

أما الجانب الثاني: فهو يتعلق بما أظهرته هذه العملية من عزيمة لدى الأسرى للانفكاك من بين قضبان الأسر سالكين كل السبل، ليس هروباً من مصيرهم، بل لإعادة إحياة الروح الثورية الفلسطينية التي تأسست على رفض الاحتلال والنضال من أجل الحرية.

وبغض النظر عن حالة الإحباط التي انتابت الشعب الفلسطيني جراء القبض على بعض الأسرى، فإننا أمام حدث بطولي ستدرسه الأجيال ونتغنى به كرمز لقدرتنا بإمكانيات معدومة تقريباً على أن نكسر قيد محتلنا وأن نكسب معاركنا ضمن جولاتنا في صراعنا مع من يحتل أرضنا، لنخبر الجميع أننا شعب يستحق الحرية ولن نقبل غيرها كاملةً غير منقوصة.

لقد ربح الأسرى في معركة الفرار والتخلص من القيود بإمكانياتهم التي تكاد تكون صفرية، وربح الاحتلال في معركة ملاحقتهم باستخدامه كل إمكانياته اللوجستية والتقنية، لكن الغلبة للملعقة في مواجهة جيش جرار امكانياته لا يمكن تخيلها، والحرب سجال.

ومن الجدير بالذكر، أننا ما زلنا نتلقى أخبار موجهة من قِبل كيان الاحتلال الذي يفرض رقابة شديدة على كل ما يدور في الإعلام حول حادثة الفرار وإعادة الإعتقال، في ظلّ تغييب رواية الأسرى أنفسهم عنّا. لكن هذا التغييب، لا يعني غياب روايتنا التي يمكننا حكايتها وكتابتها بكل فخر بعيداً عن حالة الإحباط والصدمة، التي يحاول الإحتلال إقحامها في حياتنا، فلدينا إرث كبير من قصص تحدي السجان والفرار من السجون؛ التي تمكننا من تخيل العملية رغم تعقيدها، وهذا ما يعطينا سردية منفصلة عن سردية الإحتلال التي يحاول تسريبها لنا.

تحاول ماكنة الإحتلال الإعلامية بث العديد من الأخبار التي تدعي بوجود متعاملين من الفلسطينيين من سكان مناطق 48، في محاولة لفصلهم من جديد عن أرضهم وتاريخهم، ولصناعة أزمة هوية مع الفلسطينيين بصورة عامة، فالاحتلال قد انتبه لخطر فلسطنيي 48 خلال معركة سيف القدس حيث هبوا لمشاركة أبناء شعبهم للدفاع عن مقدساتهم وثوابتهم، الأمر الذي أرعب الاحتلال وجعله يتحين الفرصة لتشويه علاقتهم الأصيلة بباقي الفلسطينيين.

وأخيراً، أقولها وأنا على ثقة بأننا قريباً سنستمع لتفاصيل هذه القصة من يرويها لنا أبطالها، وهم بيننا، فهذا وعد المقاومة، التي إن وعدت أوفت، وما صفقة وفاء الاحرار منا ببعيدة.