الأسرى الفلسطينيون وأنفاق الحرية

شكلت الحملة التضامنية مع الأسرى الستة الذين انتزعوا حريتهم من سجن جلبوع بنفق حفروه بأدوات بدائية قبل عدة أيام؛ حدثًا مهمًّا في تاريخ نضال الحركة الأسيرة ضد السجان الإسرائيلي، ومواجهة قراراته الظالمة، عبر إضرابات جماعية داخل المعتقلات واعتصامات شعبية في مدن فلسطينية وصولًا إلى ابتكار فكرة أنفاق الحرية؛ إذ يعد الأسرى طليعة الكفاح الفلسطيني، ولهذا تتبوأ قضية الأسرى مكانة مهمة في إطار القضية الفلسطينية، نظرًا إلى أنها طالت عددًا كبيرًا من الشعب الفلسطيني، وفي شكل أساسي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وستبقى تلك القضية متلازمة مع وجود الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أراضي الفلسطينيين.

قضية جوهرية

بدأ تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1948، وتعد قضية الأسرى من أكبر القضايا الإنسانية والسياسية والقانونية في العصر الحديث، خصوصًا أن مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني دخلوا السجون على مدار سنين الصراع الطويلة مع الاحتلال والحركة الصهيونية، وكانت سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي انطلقت عام 1987، وسنوات الانتفاضة الثانية التي انطلقت عام 2000، من أصعب المراحل التاريخية، حيث اعتقلت (إسرائيل) في أثناء الانتفاضتين عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

تبوأت قضية الأسرى الفلسطينيين ومعركة الأمعاء الخاوية مكانة مهمة في إطار القضية الفلسطينية منذ 1967، نظرًا إلى أنها طالت عددًا كبيرًا من الفلسطينيين، وفي شكل أساسي في الضفة الغربية وقطاع غزة. وستبقى تلك القضية متلازمةً مع وجود الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على أراضي الفلسطينيين بقوة السلاح والإرهاب المنظم.

ويمكن تلمس أهمية قضية الأسرى الفلسطينيين من خلال المعطيات والحقائق الماثلة، حيث اعتقل الجيش الإسرائيلي نحو مليون فلسطيني بين الأعوام 1967-2021 في الضفة الغربية والقطاع. وثمة 4850 أسيرًا فلسطينيًّا يقبعون حاليًّا داخل سجون الاحتلال، وسط معاناة كبيرة من جراء الانتهاكات التي يتعرضون لها. وحسب آخر إحصاءات هيئة شؤون الأسرى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ فإن من بين إجمالي الأسرى يوجد 43 سيدة، و225 طفلًا، كما يعاني أكثر من 500 أسير وأسيرة -حسب الهيئة- من أمراض مختلفة، بينهم العشرات من ذوي الإعاقة ومرضى السرطان.

وتحتجز سلطات الاحتلال الأسرى في 22 سجنًا ومركز توقيف. وقد تعرض 95 في المائة من الأسرى للتعذيب القاسي والإساءة من المحققين والجيش الإسرائيلي. ويشمل التعذيب صنوفًا مختلفة، مثل الضرب والاعتداء، بشكل وحشي وهمجي، على الأسرى في أثناء اعتقالهم، وقبل نقلهم إلى مراكز التحقيق والتوقيف، بالإضافة إلى إجبارهم على خلع ملابسهم، وتركهم ساعات طويلة في البرد القارس، وهم مكبلي الأيدي والأرجل، وحرمانهم من استعمال المراحيض، ناهيك بمنع زيارات ذويهم.

وفي إطار عدوان (إسرائيل) المستمر على الشعب الفلسطيني في وطنه وخارجه، كانت عملية اعتقال الفلسطينيين بمثابة حرب إسرائيلية معلنة، ما زلنا نشهد فصولها على مدار الساعة، للحد من حركة الشباب المقاوم. وبالتالي، الكفاح المشروع لتلك الشريحة من الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي ومعالمها الاحتلالية، وفي مقدمتها النشاط الاستعماري في عمق الأراضي الفلسطينية.

يمكن الجزم أنه بعد انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية قبل عدة سنوات، بات بمقدور الفلسطينيين مقاضاة مسؤولين كثيرين في (إسرائيل)، باعتبارهم مجرمي حرب، وملاحقة دولة (إسرائيل) ومسؤوليها بسبب ارتكابهم أعمالًا ضد الإنسانية، وجرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني وبحق الأسرى خصوصًا، ومن ثم نزع الغطاء القانوني عن دولة الاحتلال في تعاملها مع الأسرى، ووضعها في مواجهة المجتمع الدولي.

كما أن الانضمام إلى النظام الأساس لمحكمة العدل الدولية فتح المجال أمام طلب إصدار فتاوى قانونية، وخوض معارك قانونية دولية مع دولة الاحتلال، محورها موضوع الأسرى والمعتقلين، إضافة إلى إتاحة المجال لرفع دعاوى قانونية أمام المحاكم الداخلية للدول التي قبلت بفتح ولايتها القضائية أمام هذه القضايا.

وثمة سياسات إسرائيلية إزاء قضية الأسرى تعزز التوجه المذكور، منها الاعتقال الإداري، فضلًا عن اعتقال الفلسطينيين ونقلهم إلى السجون الإسرائيلية التي تقع داخل الأراضي المحتلة في 1948، إذ يعتبر هذا، في حد ذاته، إجراءً غير قانوني، ومخالفًا لأبسط قواعد القانون الدولي. وفي هذا السياق، تنص اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بالسكان المحميين، تحت عنوان البند الرابع، على وجوب قضاء السكان الذين تتم إدانتهم فترة محكوميتهم في الأراضي المحتلة.

هناك عوامل قد تعزز من صمود الأسرى في مواجهة الجلاد الإسرائيلي، وصولًا إلى تحقيق رزمة من المطالب، في مقدمتها وقف الاعتقال الإداري المنافي للقوانين والشرائع الدولية. ومن تلك العوامل ضرورة وحدة الحركة الأسيرة، بعيدًا عن التعصبية الحزبية والفصائلية، لأن السجان الإسرائيلي لا يميز بين أسير وآخر في أثناء فترة التعذيب، إنما يحاول قتل الروح المعنوية لأهم شريحة من شرائح الشعب الفلسطيني، بعيدًا عن الانتماء الفصائلي للأسير.

ومن العوامل المهمة الأخرى تبني القوى والفصائل والقوى المجتمعية الفاعلة خطابًا موحدًا إزاء قضية الأسرى، باعتبارها جوهرية ومن الثوابت الفلسطينية الوطنية. وبهذا، يمكن الاستفادة من فعاليات التضامن الفلسطينية والعربية والدولية مع الحركة الأسيرة، والضغط على المنظمات الدولية ذات الصلة، بغية إرغام (إسرائيل) على الانصياع للقرارات الدولية الخاصة بالأسرى الفلسطينيين؛ في وقت يجترح فيه الأسرى أشكالًا نضالية عدة لانتزاع حريتهم ومنها أنفاق الحرية التي امتدت من معتقل أنصار في جنوب لبنان إلى معتقل جلبوع أخيرًا، في الداخل الفلسطيني المحتل.