سيعيل 15 أسرة

بطول 21 مترًا.. بحارٌ يصنع مركبًا بمعدات وإمكانيات محلية

...
غزة/ مريم الشوبكي:

على رمال الشاطئ الذهبية أمسك النجار الذي غطى رأسه بقبعة محتميًا بها من أشعة شمس منتصف النهار اللاهبة، بمنشار آلي ينشر فيه خشب شجرة كينيا ويحوله بعد جهد كبير إلى أعمدة خشبية يتناولها آخر لتمليسها قبل أن تصبح هيكلًا أساسيًّا للمركب.

يفعل النجار بتوجيهات دقيقة من خالد علوان الذي لا يدور بين العمال ذهابًا وإيابًا، ويرشدهم إلى ما يجب أن يفعلوه ليصل إلى المركب الذي رسمه في مخيلته وصممه بنفسه، لينجح في صناعة أول مركب كبير يتم صناعته في قطاع غزة بأيدٍ ومعدات فلسطينية بسيطة للغاية.

يبلغ طول المركب نحو 21 مترا وبعرض ستة أمتار، وقد بدأ المقاول علوان العمل على صناعته منذ ثلاثة أشهر ولا يزال، حيث يفتقد بعض المعدات اللازمة والتي يحول سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على المعابر وتحكمه فيما يمر من خلال دون إنهاء ما بدأه.

يقول علوان (60 عاما) من ورشة المفتوحة على شاطئ خان يونس: "عرضت جمعية بيت الخير الفلسطيني عليّ نيتها صناعة مركب إذ سبق لي صناعة قاربين صغيرين، وقد رفضت الفكرة في البداية لعدم توفر إمكانيات ومعدات بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة".

ويضيف: "بعد أن قدمت الجمعية وعودًا بتوفير الإمكانيات، بدأت بتصميم المركب واخترت نجارًا ماهرًا أعرفه لكي يشرف على بنائه كما أتطلع".

وعن الأخشاب المستخدمة في صناعة المركب، يبيّن علوان أنه تم توفير الأخشاب من شجر الكينيا، حيث نجح في توفير نحو 35 شجرة ضخمة مزروعة داخل المنازل.

ويلفت إلى أنه يواجه صعوبة في استخلاص الأخشاب من الأشجار لعدم وجود منشار آلي مخصص لقص الأشجار الضخمة، ويعتمدون على منشار صغير يستغرق وقتًا كبيرًا وينقضي اليوم بقص عمودين.

ويوضح علوان أنه بالإضافة لخشب الكينيا الذي يمتاز بصلابة كبيرة وتحمّل المياه المالحة، يستخدم خشب "السُوّيد" لتغطية ظهر المركب، ومن ثم تتم عملية طلاء المركب.

ويفيد بأن أخشاب شجرة الكينا تعد أساسية في بناء هيكل القارب، لكن توفرها في غزة كان نادرًا، فبحثنا عنها حتّى وفرنا الكمية اللازمة، مع بعض الأنواع الأخرى من الأخشاب.

ويلفت إلى أن قطاع غزة يضمّ "الكثير من العقول القادرة على تصنيع أشكال وأحجام مختلفة من قوارب الصيد، لكن استمرار الحصار الإسرائيلي وتداعياته يقوّض من تلك الفرص ويحرم قطاع الصيد من التجديد".

المعضلة الأكبر

ويشير إلى أن المعدات والأدوات المستخدمة في صناعة المركب هي قطع غيار مستعملة بالأساس، وتكمن المعضلة الأكبر بتوفير محرك بقوة عالية يتناسب مع حجمه.

ويبين أن القارب بحاجة إلى مولد كهربائي، ومحرّك، وشباك للصيد، وقطع غيار وغيرها من المعدات.

ومنذ نحو عقد ونصف تمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي دخول معدات الصيد إلى قطاع غزة بما في ذلك الشباك والمحركات وقطع غيارها، ويحاول الصيادون التغلب على تلك المعضلة باللجوء إلى محركات الشاحنات الكبيرة بعد إعادة تهيئتها لتلائم مراكب الصيد.

وورث علوان حرفة الصيد أبًّا عن جد، فهو ابن البحر منذ أن كان في عمر السابعة وامتلك والده قاربًا، وساعده في صناعة قاربين حينما كانت الأدوات وقطع الغيار متوفرة، لكنه ترك هذه المهنة بسبب ارتفاع تكاليف صناعة القوارب بصورة مبالغ فيها.

ويبيّن أن المركب الذي يتم صناعته سيعيل 15 صيادًا من الصيادين المهرة والذي يعانون من وضع اقتصاد صعب من كافة محافظات القطاع.

ويردف: "هؤلاء الصيادون يعتمدون على البحر كمهنة رئيسة توفّر مصدرًا للرزق لهم".

ويتوقع علوان أن يتم الانتهاء من صناعة هذا المركب، ويصبح جاهزًا للإبحار، خلال أشهر قليلة في حال توفّرت كافة المعدات اللازمة لاستكماله.

لكن هذا المركب قد يبقى هيكلًا خشبيًّا رأسيًّا على شاطئ البحر إن رفضت سلطات الاحتلال إدخال المعدات اللازمة لاستكماله، ولم يتم العثور على البدائل.

ويوضح أن توفير عدة مراكب كالمركب الذي تتم صناعته، كفيل بحل مشاكل الصيادين جميعا لأنه سيوفر لهم مصدر دخل دائمًا، وبالتالي سيعمل على انتعاش قطاع الصيد والقطاعات الأخرى.

ويطالب علوان بإدخال قطع غيار لمعدات الصيد والمراكب لعدم توفرها في السوق المحلي، وهذا يعيق عمل الصيادين ويؤثر على إنتاجهم اليومي في الصيد.

وبحسب وزارة الزراعة الفلسطينية، فإن نحو 4 آلاف صياد يعملون في مهنة الصيد، ويعيلون أُسرًا تضم حوالي 40 ألف فرد، فيما يعمل 1300 مركب في الصيد البحري.

ويعاني الصيادون الفلسطينيون من انتهاكات إسرائيلية متعددة، منها محاولة إغراق مراكبهم في البحر، وملاحقتهم واعتقالهم، وإطلاق النيران صوبهم، ما يتسبب بإصابتهم أو استشهادهم، فضلا عن تقليص مساحة الصيد لفترات طويلة، ومنع إدخال مستلزمات الصيد.

المصدر / فلسطين أون لاين