فريق "حياة" يقرع الجرس بالتوعية

تقرير ناجون من براثن "التعاطي".. هكذا كانت بداية السقوط في الوحل

...
صورة تعبيرية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

وقف أمام الطبيب يطلب منه إمداده بطوق النجاة، ينظر إلى ملامح الرجل الشاحبة كـ"الأموات، إلى وجهه الداكن والهالات السوداء أسفل عينيه المحمرتين، وبصوت يعتريه الندم قال: "أنا يا دكتور، أولادي كبروا، ومش عارف أجوز بناتي.. الحارة عارفاني مدمن".

دون الطبيب اسم "أبو أحمد" (كنية مستعارة) في سجلات العلاج، وبدأ برنامجًا علاجيًّا يحاول إزالة آثار الإدمان التي سيطرت على الرجل منذ أن كان في ريعان شبابه، وأحكمت قبضتها عليه وحاصرت تفكيره الذي انحصر في توفيرها فقط، دون أي أهدافٍ أخرى، معها دمر مستقبل أبناءه بيده وبات كمن يهدم بيته فوق رأسه.

في اليوم العشرين في البرنامج العلاجي، غلب الرجل اليأس، وبدأت الأفكار تتصارع بداخله، يقف بين مفرقي طرق ينظر إلى حياته الأسرية ومستقبل بناته ثم ينصاع لرغبته بالعودة للتعاطي الذي بات على مشارف الشفاء منه.

قطع ستار صمته أمام الطبيب وطلب منه إنهاء العلاج: "أنا مش قادر أكمل يا دكتور!"، لحظة جعلت الطبيب يشعر أن كل جهوده انهارت، لم يقتنع الرجل بكل ما قاله له الطبيب محاولًا إقناعه، من بعيد كانت خطوات ابنة الرجل تقترب منهما في زيارتها لوالدها تحاول الاطمئنان إلى سير العلاج.

وقفت الابنة في ذهول حينما علمت أن والدها يريد قطع العلاج، فنزلت أمام قدميه تتوسل إليه: "يابا عشان خاطرنا.. عشان بناتك!"، وطلبت منه التحامل على نفسه: "عشان مستقبلنا يمشي.. كمل العلاج!".

كلمات صاحَبها بكاء شديد أعطته شحنة معنوية إضافية، فأمسكها من كتفيها وجعلها تنهض قاطعًا وعدًا لها أمام الطبيب: "يابا، بوعدك حكمل"، مسحت الابنة دموعها وارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيها تلتها ضحكة خرجت من قلبها، معها باشر الأطباء العلاج لتخليص الرجل من ارتباطه بالإدمان، وإزالة كل أعراضها عليه حتى نجحوا في ذلك وشفي تمامًا، وعاد إلى أولاده بـ "وجه جديد".

الحبة الأولى

دخلت إسراء (اسم مستعار) عامها الرابع والأخير بالجامعة بهمة عالية، تحمل معدلًا تراكميًّا بتقدير جيد جدًّا، تخبر صديقاتها وكل من تتعرف عليهن من الطالبات بسعيها لزيادة معدلها، فكان ذلك الطموح منفذًا لمجموعة طالبات تعرفت إليهن حديثًا، أخبرتها إحداهن أن لديهن حلًّا سيساعدها في تحقيق طموحها: "عنا حبوب.. بساعد على السهر والدراسة!".

ردت: "بلاش يكون إله أعراض؟"، فجاءتها الإجابة من الفتيات يقنعنها بتناول الحبة "الأولى"، وأخفوا أعراضها المهلكة عنها، هي الأخرى لم تكلف نفسها بالتحري عن ماهية هذا الدواء أو مراجعة أي طبيب بشأنه.

بعد مدة تغير سلوك إسراء، فلم تعد تهتم بمظهرها، تسهر كثيرًا على غير عادتها، انعزلت اجتماعية، أما درجاتها فأرشدت أهلها إلى وجود شيء غريب في حياة ابنتهم، لتصدم العائلة بأنها تتعاطى حبوبًا منشطة مخدرة جعلتها مدمنة وأدخلتها بوضع نفسي صعب.

عزل الأهل ابنتهم وأقعدوها البيت، قطعوا كل خيوط التواصل مع جميع صديقاتها، لم تعد تخرج من البيت، فتوجهت إلى أحد مراكز العلاج تطلب "النجدة وإخراجها من وحل التعاطي" الذي سقطت فيه لمدة عامٍ، بعد مدة من العلاج عادت إلى حياتها الطبيعية وانخرطت بالجامعة مرةً أخرى.

بين مفترقين

أما خالد (25 عامًا) (اسم مستعار)، فقد تجمع حينما فرد صديقه راحة يده ووضع فيها حبة ما زال يجهل نوعها في سهرةٍ زفافٍ: "شو هاي؟!".. أغلق صديقه يده وقفزت منه ضحكة هستيرية وكلمات وقعت في قلب خالد: "راح تخليك تنبسط".

حب الفضول وخوض غمار "الانبساط" الذي رسمه له صديقه قاده لابتلاع الحبة، فطلب منه بعد أيام ثانية وثالثة ورابعة، وهكذا استمر الحال لسنوات، وأصبح كيفية الحصول على "الترامادول" المخدر محور تفكيره، فساءت علاقته بزوجته وافتعل المشكلات وانعزل عن أهله وأقاربه، وعزف عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية، وأصبح يعاني الاكتئاب إن لم يحصل على الحبوب.

بعد سبع سنوات بدأت الانتقادات العائلية تنهال عليه، كان يقرأ كلام العيون التي تنظر إليه بريبة، فانفض الناس عنه حتى قرر الانخراط في أحد مراكز معالجة الإدمان في غزة والتي عملت على تخليصه من الإدمان إلى جانب برنامج آخر لتحسين صحته النفسية.

القصص السابقة لأشخاص من قطاع غزة حصلت عليها صحيفة "فلسطين" من أحد المراكز الصحية التي تعنى بمعالجة الإدمان.

مبادرة "حياة"

أما الشابة آلاء أبو القمصان، منسقة مبادرة "شباب بلا مخدرات" ومسؤولة العلاقات العامة بفريق "حياة" منفذ المبادرة، والذي يضم 45 خريجًا وخريجة من تخصصات مختلفة، فأطلقوا حملتين توعويتين واحدة قبل عام وأخرى قبل شهرين، تهدف لقرع جرس الإنذار أمام الأهالي وتوعيتهم بمخاطر التعاطي ولو على سبيل التجربة وأهمية الرقابة على أبنائهم، وكذلك مطالبة الجهات المسؤولة بتشديد الإجراءات الرادعة على تجار ومروجي المخدرات وعدم التهاون في ذلك.

تقول أبو القمصان لصحيفة "فلسطين": إن "الاحتلال الإسرائيلي يسعى بإدخاله المخدرات لغزة إلى تدمير جيل الشباب وفصلهم عن قضاياهم الوطنية، لإدراكه أن بداية الإسقاط بوحل المخدرات يقود للإسقاط الجسدي وهذا يسهل عليه إسقاط الشاب أمنيًّا".

وتتركز حملات فريق "حياة" على التوعية بمخاطر تعاطي المواد المخدرة، بأنشطة وورش عمل ومهرجانات، وعروض مسرحية بأماكن شعبية، ومدارس، وجامعات، ومساجد ومؤسسات، لإظهار مخاطرها الصحية والنفسية على المتعاطين، وأيضًا توعية الأهل بكيفية الرقابة على أبنائهم واكتشاف العلامات الدالة على ذلك، وإبعادهم عن رفاق السوء.

تلفت آلاء إلى أن الفريق على تواصل مع الإدارة العامة للصحة النفسية، وهي مؤسسة حكومية، تعالج الإدمان عبر أدوية تخلص المتعاطي من المادة الإدمانية، وأساليب تفريغ وعلاجات عبر أنشطة رياضية وبرامج رعاية عديدة، لتحقيق التعاون المشترك ومع جهات حكومية مختصة لمحاربة الآفة الدخيلة على المجتمع الغزي.