على الرغم من أن محمد شادي بدوي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، فإن قدره كان أن يكبر في حضن الحصار، وأن ينضج قبل أوانه داخل خيمة لجوء لا نهاية لها.
حين اشتد العدوان الإسرائيلي على حي الزيتون شرق مدينة غزة، نزح محمد برفقة عائلته إلى مدينة خان يونس، فقد احتموا بإحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).
لكن المدرسة لم تكن ملاذًا آمنًا، بل محطة خوف أخرى. يسرد والده التفاصيل بمرارة لـ "فلسطين أون لاين" قائلًا: «الوضع كان مأساويًا.. كنا نعتقد أن المدرسة أكثر أمانًا، لكن القصف كان يقترب يومًا بعد يوم»، مستذكرًا اليوم الذي غيّر مجرى حياة ابنه.
ويتابع: «نزل الجميع إلى ساحة المدرسة لأنها منخفضة، حسبناها أكثر أمانًا من الغرف، وفجأة قُصف مبنى قريب، رغم أنه كان فارغًا».
سقطت قذيفة بالقرب منهم، وتطايرت الشظايا بعنف واخترقت الساحة المكتظة، وتصاعد الغبار وعمّ الصراخ، قبل أن يُسمع صوت محمد بعد لحظات يصرخ: «يابا الحقني… أنا مش قادر أقوم!».
هرع إليه والده، أمسك به، لم يجد دمًا كثيرًا، سوى نزيف خفيف في الرأس بالكاد يُرى.
يقول: «ما كنت أعتقد أنها إصابة خطيرة، لكن محمد لم يكن قادرًا على الحركة، صوته كان مكسورًا، وعينه لم تكن طبيعية».
وبسبب الوضع الأمني المتدهور، لم يتمكن والده من نقله إلى المستشفى، فبات ليلته في المدرسة بين الوجع والخوف. تقول والدته بصوت مثقل بالعجز: «ما قدرنا نسعفه.. الطرق مقطوعة، القصف في كل مكان، قضينا الليل دون أن يغمض لنا جفن، نراقب محمد خوفًا من أن يحدث له مكروه».
ويكمل والده: «لم يكن لدي سوى إسعافات أولية بسيطة، لا طبيب، لا دواء، ولا قدرة على الخروج من المدرسة بسبب القصف». قضى محمد ليلته ممددًا على الأرض، عاجزًا عن الحركة، يلتف الألم حول جسده من كل جانب.
مع بزوغ الفجر وتراجع القصف قليلًا، حمله والده بين ذراعيه، يخترق الخوف ويسير على أطراف الموت، حتى تمكن من نقله إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، بعد انتظار طويل وفقدان شبه كامل للأمل في إيجاد وسيلة نقل.
لكن حتى داخل المستشفى، لم تكن الرعاية الطبية كافية، فالمعدات شحيحة، والحرب لا تترك مجالًا للشفاء. يقول والده: «كل يوم أراه يتألم، وأشعر بالعجز، لكن إيماني بالله يمنحني القوة والأمل بشفائه».
ورغم نجاته، يرفض محمد الحديث عن ذلك اليوم. يوضح والده: «يرفض ذكره، لكن حين يسمع تاريخ 25/1 تتغير ملامحه ويصمت».
وبعد الفحوصات الطبية، تبيّن للأطباء وجود شظايا صغيرة اخترقت جمجمته، إصابة دقيقة وصامتة، لكنها عميقة، وتسببت له بشلل طولي في الجهة اليمنى من جسده.
خلال فترة مكوثه في المستشفى، حاول محمد النهوض من السرير، أراد المشي، لكنه لم يشعر بشيء. في البداية سيطرت عليه حالة من الإنكار والارتباك، إذ ظن أن ما حدث مجرد كابوس عابر، دون أن يدرك أن الإصابة قد تترك أثرًا مؤقتًا أو دائمًا، خاصة في ظل غياب تشخيص دقيق وعلاج مناسب.
ورغم تحسن حالته الجسدية تدريجيًا بعد جلسات العلاج الطبيعي، إلا أن الخوف لا يفارقه. يقول والده: «الشظايا التي لا تزال في رأسه تزرع القلق في قلوبنا».
ويؤكد الأطباء ضرورة إزالتها في أسرع وقت ممكن، إلا أن الظروف الأمنية والطبية تحول دون إجراء العملية، ما يجعل محمد عالقًا بين الألم الجسدي والقلق النفسي.
ويضيف والده: «الأصعب لم يكن الإصابة نفسها، بل ما بعدها… حين أصبح محمد بحاجة للمساعدة في كل شيء؛ الاستحمام، الأكل، وحتى الجلوس».
ويتابع: «كان يعتمد على نفسه، يلعب ويتحرك بحرية، وفجأة أصبح بحاجة لمن يساعده في أدق تفاصيل يومه. التكيف مع هذا الواقع كان شقاءً له ولنا».
تغيرت حياة محمد بالكامل، وباتت عائلته تعيش على حافة الصبر، بين الخوف من تدهور حالته الصحية، والعجز عن توفير العلاج الكامل، في انتظار اليوم الذي يعود فيه إلى حياته الطبيعية دون خوف أو قلق على مستقبله.
ويأمل محمد، بعد حصوله على تحويلة للعلاج في الخارج، أن يتمكن من السفر لإجراء عملية جراحية دقيقة لإزالة الشظايا، وأن يُفتح المعبر، ليُتاح له ولغيره من الجرحى استكمال علاجهم وإنقاذ ما تبقى من أحلامهم.

