"اشتقتلك يابا".. صورة في "إيشل" تختزل قهر 18 عامًا

...
الأسير محمد زايد برفقة ابنه عبدالله في أول صورة تجمعهما
غزة/ يحيى اليعقوبي:

وضع رأسه على الوسادة، وبجانبه تركَ ملابسه الجديدة يحاول إسدال ستار النعاس على عينيه التي لم يزرهما النوم، ثم كان الصباحُ مختلفًا حينما أيقظته والدته: "يلا يا عبد الله.. قوم بلاش تتأخر على زيارةِ أبوك!"، بلا تلكؤ أو بطء، نهضَ مسرعًا وارتدى قميصًا وبنطالاً أسود كلون شعره وحذاءً أبيضَ اللون، تشعُ فرحةٌ من عينيه، وترتسم على وجهه ابتسامةٌ بيضاء كلون بشرته، وكأنَّه في عيدٍ، تلفه سعادة الدنيا بكاملها.

لأول مرة يستعد عبد الله لمعانقة والده، بعد سنوات من المنع والحرمان، والتقاط صورةٍ تذكاريةٍ للحظةٍ سعيدة ستزهر فرحةٌ خلف قضبان سجن "إيشل" حيث يقضي والده محمد زايد (43 عامًا) حكمًا بالسجن المؤبد.

بخطواتٍ سريعة تخطى عبد الله الشباك واحدًا تلو الآخر وهو يسير في ممرٍ داخل السجن، يتجاوز مشاهد يجلس فيها كل أسير أمام أمه أو زوجته ويفصل بينهم عازل زجاجي، فالزيارة تعني حديثا من وراء حجاب بلا مصافحة أو وعناق.

هو الآخر وقف بالمشهد ذاته سنواتٍ طويلة، وكثيرًا ما كان يريد أن يقفز إلى الداخل حين كان طفلًا، ومرات عديدة طرق على الزجاج ولم يفهم قوانين السجن، كان فقط يريد احتضان والده.

دخل عبد الله إلى السجن، بعدما استجابت سلطات السجون أخيرًا لطلب والده بالتقاط صورة مع ابنه الوحيد. في الصورة، وقف أمام والده وقد أصبح بطول قامته.

تسعة عشر عامًا أمضاها عبد الله وحيدًا خارج القضبان، أما والده فيحمل ثقل ثمانية عشر عامًا طوقته داخل السجن منذ أسر في 23 أغسطس/ آب 2004.

طوق الأب بذراعيه كتفي ابنه، وطال العناق بينهما لدقائق تجسد معها معنى الشوق بعد الغياب، ترك عبد الله دموعه تنزل على كتفي والده، واستنشق رحيق حنانٍ حرم إياه سنواتٍ طويلة، تحمل أنفاسه تنهيدة عميقة زفر بها ألم حمله لسنوات طويلة: "اشتقتلك يابا!".

حدق عبد الله بملامحه إلى والده متأملًا تفاصيل وجهه، فرأى القهر في عينيه وابتسامة زينت محياه، أما شعره فما زال أسمر وكذلك لحيته. يخزن كل تلك التفاصيل ولا يعلم متى موعد الزيارة القادمة وفي أي عمر سيتوقف عداد سنوات الأسر، سريعًا التقطا الصورة في لحظة لم يستطع عبد الله فيها الابتسامة.

للزيارة وقع خاص في حياة عبد الله ولا تغيب لحظات التقائه بوالده عن ذاكرته، كما يقول، "فهي الزيارة الأولى منذ فبراير 2020م، والأولى التي أتمكن من الدخول فيها ومعانقة أبي، انتظرت تلك اللحظة كثيرًا، أبي طلب كثيرًا التقاط الصورة معي لكن سلطات السجون كانت دائما ترفض أو تماطل في الاستجابة حتى يمضي وقت الزيارة، وهكذا ضاعت طفولته دون أن أحتضنه".

يمضي عبد الله في حديثه مخبرًا عن حجم ما تمثله الزيارة: "لا يمكنني التأخر عن زيارة أبي، ففيها أحدثه عن حياتي، أعرف همومه التي يحدثني عنها، أرى ملامحه وأراقب تغيرها".

في ذاكرةِ عبد الله تعلق مشاهد من لحظاتِ منعه من الزيارة لمدة عام، فكلما وصل المعبر مستعدًا ليروي شوقه لأبيه، يمنعه الاحتلال من الزيارة دون أي أسباب".

لم يعش عبد الله لحظات جميلة كالتي كان يشاهدها في طفولته وهو طريقه إلى المدرسة حيث يرى أقرانه برفقة آبائهم، أما والده فلم يفته ذلك، ففي إحدى الزيارات وجده قد أعد له بسكويتًا وتمرًا وساندويشًا وقميصين، "كتير انبسطت (فرحت) عليهم، لأنهم كانن (كانوا) من عمايل (شغل) إيده"، يتمم عبد الله حديثه بضحكة عابرة.

هنا، تقف أم عبد الله على نافذة الذاكرة، تنكسُ الغبار عن لحظة غيرت مسار حياتها، ففي يوم اعتقال زوجها كان قد مضى على حملها بعبد الله أقل من شهرين، وبعد أربعين يومًا من ولادته سمح لها بزيارته.

تقول: "كانت لحظة مؤثرة، لأنه وُلد وهو في السجن، يومها كان العازل شباكًا، حاول زوجي مد أصابعه لملامسة يدي ووجه عبد الله، ثم قربته إلى الشباك وبدأ يقبله من خلف السياج".

غلبتها ابتسامةٌ دوت عبر الهاتف: "في كل لحظة حتى لما كبر عبد الله دايمًا بحاول يقبله، حتى لو في زجاج بحط إيده أو بقبل خده".

وقع الألم الذي تركته زيارات زوجها في السجن لا يزال يلاصقها حتى اليوم، ففي إحدى الزيارات منع الاحتلال عبد الله من الزيارة، "لم يستوعب تلك الإجراءات، وأخذ يبكي بحرقة، ورمى نفسه على الأرض، طرق الباب طرقات كثيرة، وعلا صوت بكائه وصراخه لكن دون جدوى؛ فلم يفتح له الباب".

منذ سنته الأولى وضعت "أم عبد الله" صورة لزوجها الأسير إلى جانب وسادة طفلها، كبر الطفل على تفاصيل صاحب الصورة، غرست فيه كل ملامح والده، تذكره دائماً "هذا أبوك".. تطير منها ضحكة عفوية بلهجة أهل قرية بيت لقيا قضاء رام الله، "حتى أنه عمره ما خربش (أخطأ) بين أبوه وعمه".

في 23 آب/ أغسطس 2004م، حفر الحزن جرحًا عميقًا في قلبها، فذلك يوم لا ينسى؛ إذ اعتقدت في حينه أن اعتقال زوجها محمد زايد لن يطول أكثر من يومين، "كنا قد تزوجنا قبل أسره بأربعة أشهرٍ، وفي لحظة إصدار حكم المؤبد مدى الحياة كانت الصدمة... أمضيت خمس سنوات صعبة لم أنم فيها الليل، كثيرًا ما تساءلت كيف لي أن أواجه كل شيء وحدي".