لم تعد مشاهد الحرب بعيدة عن المدن الإسرائيلية كما اعتاد المجتمع هناك خلال العقود الماضية، إذ انتقلت صور الأبنية المدمّرة والجثامين والحرائق وصفارات الإنذار المتواصلة إلى قلب التجمعات السكانية، ما أحدث صدمة واسعة وزعزع الإحساس بما كان يُعرف بـ"الحصانة المطلقة" للجبهة الداخلية.
ومع توالي الهجمات الصاروخية الإيرانية، والتي كان أعنفها يوم الأحد الماضي وشملت 38 صاروخًا باليستيًا ردًا على العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، اضطر ملايين الإسرائيليين للنزول إلى الملاجئ، في واحدة من أكثر المراحل توترًا على الجبهة الداخلية، وسط تعتيم رسمي على حجم الخسائر.
الملاجئ لم تعد آمنة
وأظهرت حادثة سقوط صاروخ على ملجأ في مدينة بيت شيمش قبل يومين حجم القلق المتصاعد، بعدما أسفر الهجوم، وفق حصيلة رسمية، عن مقتل 9 إسرائيليين وإصابة أكثر من 35 آخرين.
ورغم أن الملجأ بُني وفق معايير التحصين المعتمدة، إلا أنه لم يصمد أمام الصاروخ الباليستي، في وقت استمرت فيه صفارات الإنذار بتغطية معظم مناطق فلسطين المحتلة، حيث تحدثت وسائل إعلام عبرية عن دوي الصافرات في نحو ألف موقع خلال إحدى موجات القصف.
وارتفع عدد القتلى إلى عشرة منذ بدء المواجهة مع إيران، إضافة إلى عشرات المصابين، فيما أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى توجه لتمديد القيود المفروضة على التجمعات والتعليم والعمل، في ظل استمرار حالة الاستنفار.
تحطّم مفهوم الحصانة
المختص في الشأن الإسرائيلي أمين الحاج اعتبر أن مشاهد الدمار داخل مدن فلسطين المحتلة عام 1948 أصابت الجبهة الداخلية بصدمة مباشرة، لأنها "حطّمت فكرة الحصانة التي بُني عليها الوعي الإسرائيلي لعقود، والقائمة على بقاء الحرب بعيدة واقتصار الألم على الطرف الآخر".
وأضاف لـ "فلسطين أون لاين" أن انتقال الحرب من حدث بعيد إلى تهديد مباشر عمّق فجوة الثقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية، وأعاد طرح سؤال جدوى التفوق العسكري إذا كان عاجزًا عن حماية العمق السكاني.

المختص في الشأن الإسرائيلي، أمين الحاج
ويرى الحاج أن الخسائر الأخيرة كسرت احتكار الضرر، وفرضت كلفة على كل قرار تصعيدي، ما نقل الردع من معادلة أحادية إلى توازن قلق قائم على الخشية من الرد المقابل، لتصبح القوة قرارًا محفوفًا بالمخاطر لا منخفض الكلفة.
كما أشار إلى أن تداعيات الضربات الإيرانية تجاوزت الأضرار المادية إلى المساس بصورة السيطرة المطلقة، ووضع صانع القرار أمام ضغط مزدوج بين التصعيد المكلف والتهدئة التي قد تُفسَّر ضعفًا.
أثر رمزي ونفسي
من جهته، قال المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع إن انتقال صورة الدمار إلى المدن المركزية يعكس تحول الجبهة الداخلية من متلقٍ غير مباشر إلى ساحة استهداف فعلية، ما يعمّق الشعور بالهشاشة داخل المركز السكاني والاقتصادي للدولة.
وأضاف لـ"فلسطين أون لاين" أن ذلك يطرح تساؤلات حول جاهزية الملاجئ والبنية التحتية المدنية، خاصة في ظل تقارير سابقة تحدثت عن فجوات تحصين واسعة، معتبرًا أن الإصابات المباشرة، رغم اعتراض عدد من الصواريخ، تفرض عنصر "الكلفة المتبادلة" في حسابات القرار السياسي والعسكري.

المختص في الشأن الإسرائيلي، ياسر مناع
ويرى مناع أن تكرار هذا النمط قد يؤدي إلى تآكل تصور الحصانة المطلقة للجبهة الداخلية، ويدفع إسرائيل إلى توسيع بنك أهدافها أو تكثيف الضربات الاستباقية لإعادة ترسيخ الردع، في وقت يفتح فيه استمرار المواجهة الباب أمام ضغوط داخلية واقتصادية وإقليمية، ويقرّب الصراع من نموذج استنزاف متبادل بدل الضربات الأحادية الاتجاه.
وبينما اعتاد الرأي العام الغربي على صور الدمار في غزة بوصفها مشاهد مألوفة من نزاع مزمن، فإن انتقال المشهد ذاته إلى مدن مثل تل أبيب أحدث صدمة رمزية مختلفة، ما يعكس، وفق مراقبين، تحوّلًا في طبيعة المواجهة وصورتها في الوعي الدولي، ويضع المجتمع الإسرائيلي أمام واقع أمني جديد تتراجع فيه فكرة الحصانة المطلقة.

