عزفت سمفونية صاخبة قضت مضاجع "افيتار"

تقرير هكذا قاومت "بيتا" 66 يومًا وأنزلت المستوطنين عن الجبل

...
المقاومون في بيتا (أرشيف)
نابلس-غزة/ يحيى اليعقوبي:

ستة وستونَ يومًا، ترك فيها أهالي قرية "بيتا" جنوب نابلس انتماءاتهم السياسية والحزبية جانبًا وانتموا لجبل "صبيح"، أطلقوا العنان لفعاليات "الإرباك الليلي" كفكرة مقاومة شعبية مستوحاة من قطاع غزة، تقضُّ مضاجعَ مستوطني "جفعات افيتار" فيعزفون بـ"الأبواق" سمفونية صاخبة تدوي في آذان المستوطنين، كرسالة "أنه لا راحة لكم ما بقيتم على الجبل"، ويرسلون سُحبًا سوداء تجعل النهار ليلًا حالكًا فوق البقعة الاستيطانية، يسلطون عليهم عدسات أشعة الليزر، كأدوات مقاومة شعبية لم يجرب الاحتلال مواجهتها من قبل في الضفة الغربية.

ما إن يسدل الليل ستاره الحالك، ويفترش الظلام جبل "صبيح" يخرج شبان وأهالي بيتا، يحملون "المشاعل المضيئة" ويسيرون كقطار بشري ويصعدون قمم الجبل، ويشعلون في داخلهم نيران الثورة كي تبقى موقدة، لا تنطفئ أمام رياح العربدة الإسرائيلية، من الخلف كانت النساء يدًا بيد مع رجال القرية، تعد الطعام وتزود المرابطين بالدعم اللوجستي.

تلاحم شعبي تحت راية واحدة، أدى إلى تراجع الاحتلال فبموجب اتفاق تسوية بين وزير جيش الاحتلال بيني غانتس وقادة المستوطنين، وعبر مفاوضات سرّية بدأ المستوطنون في إخلاء مؤقت الجمعة الماضية من المكان، على أن تظل بيوتهم المتنقلة (الكرفانات) قائمة لتخدم جيش الاحتلال الذي سيقيم نقطة عسكرية دائمة في الموقع.

وبينما كان المستوطنون يستعدون للنزول عن جبل صبيح تمهيدًا لإخلائه كان "البيتاويون" يصعدون باتجاهه ليكملوا يومهم الـ65 في مقارعة المستوطنين الذين احتلوا الجبل قبل أكثر من شهرين وأقاموا عليه مستوطنة "جفعات أفيتار".

غصة في وداع الشهداء

من تلك الأيام احتفظت ذاكرة الصحفي نسيم معلا الذي واكب جميع الأحداث بتفاصيل الحياة اليومية على قمة الجبل، لكن وداع الشهداء ترك غصةً في أعماق قلبه، يسحب موقفًا من رفوف تلك الذاكرة "كنت أقف قريبًا من شاب يدعى عيسى برهم، لم تتجاوز المسافة بيننا عشرينَ مترًا، وبينما كنت ألتقط الصور أطلق عليه قناص رصاصة بالصدر، فهرع الشبان لإسعافه ونقله إلى سيارات الإسعاف، لم أنسَ كلماته الأخيرة "ما تنزلوا عن الجبل" لم تفارقني كلماته.

ينفضُ نسيم غبار النسيان عن مشهد آخر، الحزن الذي شعر به حينها يأبى أن يفارق أحباله الصوتية هنا "التقيت برجل أعرفه وكان يصطحب معه ابن أخيه وهو الطفل محمد سعيد حمايل، وتبادلنا أطراف الحديث بعضًا من الوقت، قبل صلاة الجمعة وناقشنا أوضاع الجبل، ولفت انتباهي الطفل الذي عرفته من صورته الشخصية على فيس بوك ومنشوراته التي كان يكتبها.

تفرق نسيم عن محمد وعمه، وكل ذهب إلى وجهة تختلف عن الأخرى، واشتعلت المواجهات، وبينما يغطي نسيم الأحداث تناقل الشباب عن استشهاد طفل، فبدأ يحاول البحث عن هوية الشهيد لنشر اسمه، وبينما هو غارقٌ في عملية البحث قفز اسم الشهيد الطفل أمام عينه، وكان محمد سعيد حمايل، الذي كان يقف معه قبل ساعتين، مشهد أنزل دموعه.

لم يتراجع الاحتلال عن بؤرته الاستيطانية بطريقٍ مفروشٍ بالورود، بل فرش له أبناء القرية طريقًا مخضبًا بالدم ارتقى فيها أربعة شهداء وأصيب مئات الجرحى، رفعوا راية المواجهة "مهمة كانت الفاتورة التي سيدفعونها" تخلوا عن أعمالهم وراحتهم لأجل طرد المستوطنين، صبروا على حرارة الشمس ولهيبها، مشوا في طريق "الموت" الذي رسمه الاحتلال، لهم فلم تمنعهم زخات الرصاص وقنابل الغاز من طريق صعودهم إلى قمة الجبل.

صمود متواصل

تعود ذاكرة نسيم إلى الوراء، يزيح الستار لصحيفة "فلسطين" عن طريق النصر الذي سطره أهالي "بيتا": "صمود أهالي القرية على مدار ستة وستين يومًا لم نشاهده من قبل، كانوا يخرجون من الساعة الثامنة صباحًا حتى السابعة مساءً بفعاليات نهارية، ثم تبدأ فعاليات الإرباك الليلي والألعاب النارية، يتنقلون من القرية للجبل مشيًا على الأقدام، ما سبب ضغطًا على الاحتلال الذي اضطر لإخلاء المستوطنة".

انتهت الجولة الأولى التي انتصر فيها أهالي القرية، لكن هناك جولة ثانية، والكلام لنسيم، يحاول الاحتلال إشعال فتيل المواجهة الدينية، بمحاولة بناء "كنيس يهودي"، مضيفًا: "سمعت خطيب الجمعة يحذر الاحتلال من بناء الكنيس "فإن الأهالي سيبنون مسجدين".

وعن مشاركة النساء في صناعة النصر، يقول: "قدمت النساء الطعام للشباب، كما أن النسيج الاجتماعي في القرية يرفع الهامات، وهذا ما أعان الشباب على الصمود والرباط والمواجهة، لا نتحدث عن دور بسيط بل عن دور كبير لعبته نساء وفتيات القرية في إعداد الطعام والحلوى وإيصاله إلى الجبل".

تعج ذاكرة نسيم بمشاهد كثيرة، يحرك بصوته بعضًا منها "رأيت عريسًا استبدل تكاليف الفرح بإطعام المرابطين (..) تأخرت مع زميل في التغطية في نقطة متقدمة عند "حراس الجبل" وأصروا على تناولي العشاء معهم وكانت جلسة جميلة أذكر كلمات أحدهم لنا: "أنتم الصحفيون تتواجدون بمواقع خطِرة".

وعن أثر مشاهد إزعاج أدوات الإرباك على المستوطنين، طارت منه ضحكة فخرٍ بأبناء قريته مجيبًا بعفوية "أدوات الازعاج خاصة الأبواق كانت تصل إلى مسافة عشرين كيلومترًا، كانت الإطارات تغطي الجبل بالكامل والبؤرة الاستيطانية ويخرج المستوطنون يصرخون من الاختناق".

هنا طارت ضحكة أخرى متهكمًا على رد المستوطنين: "حاول المستوطنون الرد على شباب القرية بجلب أنابيب ليزر أخرى، لكن كثافة الإشعاع الصادر من جهة الشباب كان يغطي على الأشعة التي يشعلها المستوطنون، وهذا ما يدفعهم إلى التراجع".