تقرير مختصان: جريمة اغتيال "بنات" كشفت حجم الهوَّة بين السلطة والشارع

...
صورة أرشيفية
غزة/ نور الدين صالح:

كشفت الاحتجاجات الغاضبة في الضفة الغربية على اغتيال المعارض السياسي نزار بنات، ورد فعل أجهزة أمن السلطة عليها، حجم الهوة وانعدام الثقة بين السلطة والشارع الذي بدا غاضبا من استمرار ممارساتها القمعية، وحالة التفرد بالسلطة، وغياب الحريات والديمقراطية عن المشهد الفلسطيني، وفق ما يرى مختصان.

يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة النجاح الوطنية د. مصطفى الشنار، إن حادثة اغتيال "بنات" كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، لكونها جاءت بعد حالة كبيرة من الكبت والغضب الشعبيين.

وأوضح الشنار خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين"، أن هناك عملية تراكمية من الاحتقان السياسي والاجتماعي وحظر الحريات والاعتداء على حقوق الناس والاستئثار بالوظيفة العمومية، إضافة لبعض المظاهر الأخرى البطيئة في التأثير، وهي حجم البطالة العالية، وتغييب الإرادة السياسية، وانعدام الانتخابات، كلها أدت إلى هذا الكم من المظاهرات الشعبية.

وبيّن أن الضفة الغربية تعاني أزمة مركبة سياسية واقتصادية واجتماعية، أدت للحراكات والجرأة غير المسبوقة من الجماهير، لذلك جاءت جريمة اغتيال "بنات" القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير.

وأشار إلى أن المجتمع الفلسطيني في الضفة يعاني حالة انقسام جديد، ليس الانقسام المشهود القائم على الاختلاف في الأيديولوجيا والفكر والبرامج السياسية، إنما هو مع نخبة تعلن أنها صاحبة الوطن وهي المتفردة بالحكم.

ولفت إلى أن الحفاظ والسيطرة على منظمة التحرير أصبحا هدف هذه النخبة الحاكمة في الضفة، إذ إنها ترفض من يطالبها بالشراكة عبر صندوق الاقتراع، مبيّناً أن الانقسام الاجتماعي حاصل منذ مدة طويلة، لكنه ازداد بعد مقتل الناشط "بنات".

وذكر الشنار أشكال الانقسام الاجتماعي التي تتمثل بالحدة غير المسبوقة في الحوارات عبر مواقع التواصل والتراشق بالتهم التي لم يشهدها المجتمع الفلسطيني سابقاً والتي وصلت لحد لغة التخوين.

وبحسب الشنار فإن النخب السياسية لم تعد تشارك من يخالفها سياسياً في المناسبات الاجتماعية كما في السابق مثل احتفالات استقبال الأسرى وغيرها من المناسبات الوطنية "وهذا أمر خطر جداً".

وبيّن أن الفلسطينيين يعيشون ظروفاً سياسية من انعدام الأمل في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى مجموعة من الاحتقانات السياسية والاجتماعية لدى المواطن الذي بدأ يشعر بالخطورة على وجوده بالضفة.

ولفت إلى أن المجتمع الفلسطيني وصل إلى عنق الزجاجة "وما لم تحدث انفراجة أو الاتفاق على آليات للخروج من المأزق الحالي، فإنه سيذهب نحو المجهول"، موضحاً أن هناك خطرا وجوديا يتداخل فيه الهم السياسي مع الوطني، ما أدى لهذا الكم من الضغط الاجتماعي والسياسي الذي انفجر عقب استشهاد "بنات".

من جانبه يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت جورج جقمان، أن سبب استمرار المظاهرات هو عدم محاسبة مرتكبي الجريمة حتى الآن، الأمر الذي يشير إلى أن شخصيات عليا أعطت تعليمات بتنفيذها.

وأوضح جقمان خلال حديثه مع "فلسطين"، أنه "إذا لم يأخذ القانون مجراه بحق القتلة، فقد تتجه عائلة الشهيد والمواطنين لأخذ القانون بأيديهم، ما يعيد الضفة إلى القبائل العربية والعشائرية وليس إطار الدولة الحديثة التي تتغنى بها السلطة.

وذكر أن ما يجري في الضفة حالياً هو صراع على الحق في التظاهر والتعبير عن الرأي وطلب تحقيق العدالة في قضية الشهيد نزار بنات، مشيراً إلى أن سلوك السلطة ضد المتظاهرين "غير مقبول" ويشبه عددا من النظم العربية التي تعتمد على العنف لإسكات المعارضين لها.

وبيّن أن هذا السلوك مرفوض من الجمهور الفلسطيني، ما يدفعه للاستمرار بمظاهراته الرافضة، وبالتالي ينعكس على العلاقات الاجتماعية بين المواطنين خلال الفترات القادمة.

واستبعد جقمان أن يكون هناك انفراج قريب في الأفق، إذ إن التوتر الداخلي سيبقى ما لم يتم إظهار كل جوانب الجريمة وإحقاق الحق لأصحابه، بل ستزداد الفرقة بين الجمهور والسلطة.