المخاطر الوجودية على (إسرائيل) بعد حملة سيف القدس

أدت حملة سيف القدس إلى ظهور واقع جديد لا تريد أن تعترف به (إسرائيل)، وتتعامل مع فلسطين بعقلية ما قبل المعركة، وهي طريقة (إسرائيل) المألوفة في الصمود أمام المتغيرات والإصرار على الوضع السابق عليها، وتطويع هذه المتغيرات وإعادة الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه قبل المتغيرات.

ويضيق المقام عن تصوير التطبيقات المختلفة لهذا السلوك، ويكفي أن نشير إلى مثالين فقط للتدليل، وهما قمع الثورات العربية ضد الحكام العرب وتحالفاتهم الداخلية والخارجية، والمثال الثاني الإلحاح على صفقة القرن رغم تهاوي أركانها.

ولعل الدعم الأمريكي المطلق لـ(إسرائيل) هو أساس وجود (إسرائيل) وتأمين مكاسبها في المنطقة، فواشنطن هي التي تمد (إسرائيل) بالسلاح والمال، وواشنطن هي التي تحمي جرائم (إسرائيل) وتستخدم الفيتو حصريًّا دفاعًا عن هذه الجرائم في مجلس الأمن، ولذلك تستخدم واشنطن نفوذها لدى الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة لتخفيف مواقفها ضد (إسرائيل). فالجمعية العامة هي الساحة الطبيعية لدول العالم الثالث حيث تفلت من الفيتو في مجلس الأمن.

وواشنطن هي الحامية لـ(إسرائيل) من نقد سلوكها الإجرامي في الأمم المتحدة وفي المحكمة الجنائية الدولية. ونذكر بأن واشنطن أيدت الجدار العازل الذي أدانته محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، وقدمت مذكرة بهذا المعنى أمام المحكمة.
وواشنطن هي التي انتهكت القانون الدولي لتمكين (إسرائيل)، فقد اعترفت بالقدس عاصمة لـ(إسرائيل) ونقلت سفارتها إليها بالمخالفة لقرارات الأمم المتحدة، واستخدمت الفيتو ضد مشروع قرار يدين هذا العمل، وضد إرادة 14 دولة أعضاء بمجلس الأمن في مناسبات عديدة.

واشنطن هي التي أوقفت مساهمتها في منظمة الأونروا، وهي التي اعتبرت أعمال الإبادة الإسرائيلية في غزة في أيار/مايو 2021 من قبيل الدفاع الشرعي عن النفس، وكذلك الاتحاد الأوروبي.

وواشنطن هي من طوع العرب للاعتراف بـ(إسرائيل)، وأعلنت صفقة القرن من واشنطن، وهو اتفاق بين ترامب و(إسرائيل) أسمياه خطة السلام الأمريكية.

ومع ذلك تحاول واشنطن أن تلعب دور الوسيط في السلام في فلسطين، وهو السلام الإسرائيلي وسلام المقابر للشعب الفلسطيني.

وواشنطن هي التي دعمت (إسرائيل) في أثناء عملية سيف القدس، واتهمت المقاومة بالإرهاب، ووعدت بتسليم أحدث المقاتلات لـ(إسرائيل) وإصلاح شبكة القبة الحديدية، وهي التي تعادي المقاومة ولا تعترف بالحق فيها ما دامت ضد (إسرائيل).

(إسرائيل) تستقوي بواشنطن ضد كل تهديد من المقاومة أو حتى من الدول الكبرى، كما أن واشنطن تعتبر (إسرائيل) ركيزة أساسية لمصالحها وأمنها القومي، ولذلك فإن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بالغة الأهمية بالنسبة لـ(إسرائيل) وبالغة الحساسية بالنسبة لواشنطن وحتى لا تتغير بتغير الإدارات والرؤساء، فقد تم وضع هذه العلاقات في المرتبة الإستراتيجية التي لا تتغير مع تغير الرؤساء، وإن كان كل رئيس ينطلق من الحد الأدنى المرسوم إلى آفاق جديدة، وهو ما يظهر عند المقارنة بين الرؤساء وأيهم أكثر نفعًا لـ(إسرائيل).

في فترة من الفترات بلغ طموح العرب أن سعوا إلى تغيير معادلات السياسة الأمريكية في المنطقة، وفشلوا بسبب طغيان نفوذ واشنطن وعجزهم عن استخدام أدواتهم في التأثير على السياسة الأمريكية.

فأصبحت (إسرائيل) هي المدخل للحاكم العربي إلى البيت الأبيض ولم يعد ذلك سرًّا، وغدونا نجد تطبيقات له في السودان والبحرين والإمارات والمغرب فيما وصفت بالاتفاقيات الإبراهيمية.

في قطاع العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، رصدنا عددًا من المخاطر على هذه العلاقات وأهمها:

أ‌- الحديث علنًا عن جرائم (إسرائيل) ضد الفلسطينيين، فيما تضمنه الخطاب المفتوح من عدد كبير من أعضاء الكونجرس والشخصيات العامة إلى الرئيس بايدن.
ب‌- هزيمة مناهضة حركة مقاطعة (إسرائيل) أمام الجمهور والقضاء في الولايات المتحدة.

ت‌- تخصيص عدد كامل من مجلة الشؤون الخارجية foreign Affairs لمناقشة جدوى الانحياز الأمريكي لـ(إسرائيل) وتكاليفه.

ث‌- وقد سبق أن أجريت دراسات بجامعة هارفارد حول التكاليف الاقتصادية والمالية لهذه العلاقة، فالدراسة تكشف عن أعباء هذه العلاقات واقتصادياتها، وكيف أن واشنطن تتكبد أثمانا سياسية ومالية ومعنوية عالية مقابل دعم (إسرائيل)، وأخطرها مساندة الجرائم الإسرائيلية وتحدي هيبة القانون الدولي.

ج‌- ولا شك أن فتح الموضوع مجددا يذكر بالكثير من المؤثرات على قرارات واشنطن.

2- لم يعد لـ(إسرائيل) هيمنة على القرار الأمريكي في عهد بايدن في الكثير من المجالات، بل إن واشنطن تعمل من وراء ستار على وقف إطلاق النار بين (إسرائيل) والمقاومة وإعادة الإعمار وعقد هدنة طويلة الأجل وتبادل الأسرى، كما أن (إسرائيل) تعارض عودة واشنطن إلى الملف النووي، والاعتراف بحماس كمسؤول عن إعادة إعمار غزة باعتبارها سلطة الأمر الواقع، وغير ذلك كثير.

كتابات الأستاذ ريتشارد فولك حول بداية ذبول الأبارتيد في (إسرائيل)، ويتوقع أن تنهار هذه السياسة مما يؤذن بنهاية (إسرائيل)؛ لأن الباحثين الإسرائيليين ربطوا منذ سبعينات القرن الماضي بين (إسرائيل) والأبارتهايد، ولا تستطيع (إسرائيل) بحكم طبيعتها ومشروعها أن تراجع هذا السلوك الملازم لطبيعة الصهيوني المنخرط في المشروع. فقد تحدى فولك المشروع الصهيوني الذي يقوم على الأبارتهايد وتوقع بداية سقوطه.

والأستاذ فولك، العالم القانوني الشجاع الذي أدان صراحة غارة (إسرائيل) على مطار بيروت في كانون الأول/ ديسمبر 1968، كما كان في أوقات متفرقة، مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين وكتب كثيرا عن القانون الدولي وجوانب القضية.

ولا شك أن الأزمة السياسية في (إسرائيل) هي أثر من آثار نجاح حملة سيف القدس، كما أن لواشنطن علاقة بها في ما ظهر من دعوة واشنطن (وزير الدفاع الإسرائيلي) المناوئ لنتنياهو لزيارة واشنطن عقب تصريحاتهما المتعلقة بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

تراجع القوة الأمريكية في الشرق الأوسط والجدل بين (إسرائيل) والولايات المتحدة حول إيران. كما أن واشنطن ترفع شعار حل الدولتين في فلسطين، وهو ما لا تعترف به (إسرائيل) لولا أن (إسرائيل) تدرك التناقض بين مواقف واشنطن من هذه القضية.