"تالا" توقد شمعةَ فرحٍ بين مؤبدات "أمير الظل" الـ67

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

تأملت صورته المعلقة على جدارِ غرفتها، لامست بأناملها إطارها الخشبي، كانت ترتدي قبعة وثوب التخرج، ويتراقص الفرح بداخلها، أيضًا يشقُّ الانتصار طريقًا في ملامحها، "ها قد كبرت ابنتك يا أبي، وأصبحت خريجة"، أما ذاكرتها فكانت تعجُّ بحكاية الشوق والحنين والانتظار، والأمل، والتحدي والصمود.. عندما حطت رحالها عند لحظة أسر الاحتلال لوالدها عبد الله البرغوثي وتُركتْ "تالا" طفلة صغيرةً تبكي وحدها في السيارة.

حتى طقوس الفرح كانت هنا مختلفة، الأب في مكانٍ يختلف عن المكان الذي تقف فيه ابنته، تمني النفس لو باستطاعتها احتضانه وتقبيل يده ثم رأسه، لأصبح العالم كله بين يديها، تحاول تجاوز سنوات سجنه المحكوم بها بـ67 مؤبدًا بإضاءة "شمع فرح بين عتمة السجن".

تتأمل صورته، في قبعته السوداء وملابس السجن البنية، تتذكر خطوط وجهه وبريق عينيه وتوهج ابتسامته ورنين ضحكته في الزيارات القليلة التي لم تكفِ لاختزان كل ما سبق، تتذكر رسالته الأخيرة التي تناقلتها الأفواه واحتفظت بها ذاكرة المحررين حتى وصلت إليها شفهيًا، أيضًا هي محرومةٌ من رؤية خطه، يخبرها أن "موعد اللقاء بات قريبًا".

ثمرة نجاح جديدة

تنهدت بألمٍ وحملت بقايا أحلامها، رفعت تالا صورة والدها الأسير عن جدار غرفتها، ومضت بها إلى حفل تخرجها من المرحلة الجامعية تخصص المحاسبة بجامعة "بيرزيت" برفقة أمها وشقيقها، تقطفُ ثمرةَ نجاحٍ جديدة، وهو الطريقُ ذاته سلكهُ والدها من قبلها واعتلى قمم التفوق.

داخل حرم الجامعةِ دقتْ طبول الفرح وعلتْ أصواتُ الزغاريد، توزعَ الخريجون على المدرج في حين اصطف الأهالي أمامهم، تحوم تالا بنظراتها بين الآباء والأمهات، ترسو على صورة والدها، ترفعها والدتها بين الحاضرين، تحمل بقايا رسالتها له لحظة تخرجها بالتوجيهي: رأيتُ ضحكاتِ الآباءِ كلهِم إلا ضحكتك أنت، وكأني لم أرَ ضحكة في الوجود كله".

نادى عريفُ الحفل باسمها، بحماسةٍ كبيرة أمسكت شهادة التخرج والتقطت صورة تذكارية وسط تصفيق الحاضرين ما إن سمعوا اسم والدها القائد الأسير "عبد الله البرغوثي" وهو الذي "منح هذا الشعب كرامة مقدارها عدد سنوات حكمه السبعة والستين مؤبدًا"، كما كتبت له في رسالة التوجيهي.

اليوم انتهت مرحلة استمرت أربعة أعوام من الجد والاجتهاد، تعاركت فيها تالا مع الورق والكتب، وامتحنت وتفوقت واعتلت منصة التخرج، لأجل أن تدخل الفرحة على قلب والدها وتجعله يفخر بها، وأن تنير بشهادة تخرجها ظلمة المؤبدات السبعة والستين التي تكبل أباها كأعلى حكم في التاريخ.

تالا كانت برفقة والدها عندما أسره جيش الاحتلال عام 2003م، ولم تكن حينها تتجاوز ثلاث سنوات، حرمت من كل لحظة فرح برفقة والدها، لكنه كان دائمًا يساندها برسائل دعمٍ تتجاوز الزنازين الانفرادية التي عزلته عن العالم سنوات طويلة.

فرحة منقوصة

"بالتأكيد هي لحظات صعبة، خاصة أن غالبية الأهالي يوجدون في الحفل، بالنسبة لي وفي غياب أبي تكون فرحتي منقوصة، لكن الحمد لله.. أفتخر بأبي الذي أسر وصدر بحقه حكم بالسجن 67 مؤبدا دفاعا عن الوطن".. في صوتها يتزاحم الحزن والفرح معًا، وتستحضر صورة الحفل مرة أخرى. عبر الهاتف تشعر بعمق الحزن يرافق أحبالها الصوتية، "كانت المشاعر مختلطة؛ فرح، وحزن، تمنيت أنه يكون موجودا بين الحضور وأحتضنه، هكذا تخيلت المشهد".

يتبسم صوتها: "تخرجي هو انتصار لي وفخر لوالدي".

عام ونصف العام مرت تحمل ثقل وطأة أيامها على تالا وشقيقيها أسامة وصفاء، لم يروا فيها والدهم، وهي على موعدٍ لزيارته الشهر القادم، "أتحمس للزيارة".. على لهفة ما قالته، لكن سرعان ما سكت صوتها مستذكرةً قصر مدتها "يا دوب بتكون 45 دقيقة، عشر دقائق منها تضيع في التشويش ولن أستطيع أن أختصر له ما مررت به خلال الفترة التي لم أزره فيها".

"زياراتي للسجن قليلة، لكن اللحظة التي يطل علينا مرحبا بنا بعد سبع ساعات من الانتظار والطريق إلى السجن تكون من أسعدِ اللحظات التي لا أتمنى أن تنتهي".

على الرغم مما تقوله دائمًا، حرص "أمير الظل" على أن يكون في قلب مناسبات ابنته، ولم تكن السجون وغرف العزل تحول دون وجوده، وفي جعبة "تالا" تفاصيل رسالته الأخيرة لها لحظة مناقشة بحث التخرج: "أرسل أبي لي تهنئة شفهية تناقلت من شخص لشخص، هنأني بالتخرج وعبر عن شكره وفخره بي، وشجعني أن أكمل الطريق، وأن أستمر في الدراسات العليا، وأخبرني عن تفاؤله بالإفراج القريب عنه".

تضعُ تالا أولى خطواتها في طريق المستقبل، وتطوي مرحلة سابقة تخطت فيها عقبات ومحطات كثيرة كان أهمها عدم وجود والدها بجانبها، تعترف: "لو كان بقربي لساعدني في أمور عديدة، لكن الحمد لله دعمه النفسي لي يصلني".

الآن ستبحثُ عن عمل، ستمضي إلى "سوق العمل" المكتظ، ستعافر الحياة وتتقدم أكثر لترسل انتصارًا جديدًا إلى قلب السجن، وتودع في قلب والدها فخرًا آخر، هناك حيث لا يهدأ عقل "أمير الظل" عن كتابة المؤلفات وصناعةِ تفوق جديد على المحتل.