رحل "طه" دون أن يعطي والدته هديتها المنتظرة

...
غزة-مريم الشوبكي:

لم يأت طه العقاد في عيد الفطر هذا العام مصطحبا العيدية بيده وباليد الأخرى هديته ليدخل الفرح على قلب والدته.

حينما كانت أمه تلح عليه بالزواج كان يرد بضحكته المعتادة دون أن يظهر لها رفضه "يما بدي أسكن بعيد وآخدك معي"، فتظن أنه يريد أن يستقل بشقة بعيدة عن أهله، ولكن بعد باستشهاده أيقنت ما كان يرنو إليه.

طه (27 عاما) من خان يونس استشهد في 29 رمضان الذي وافق 11 مايو/ أيار، واحتضن باطن الأرض جثمانه حتى تمكنت فرق الإنقاذ من انتشال جثمانه بعد إعلان وقف العدوان على غزة في 21 مايو.

مجرد أن يستيقظ من نومه في كل صباح كان يذهب إلى والدته يقبل يدها مرددا "يسعدها وعن الجنة ما يبعدها"، كان الأقرب إليها روحا ومستشارها الذي تستمع إلى نصائحه دون مناقشة.

حينما تسألها عن طه، تنهمر الدموع من عينيها مجرد أن تسمع اسمه، حتى اليوم ترفض استقبال أصدقائه الذين يريدون مؤازرتها، لأنها سترى في كل واحد منه طه، وقلبها لا يقوى بعد على تحمل هذا الألم مرة واحدة.

تقول "أم تامر" لصحيفة "فلسطين": "كان لدي كنز وخسرته، طه كان بالنسبة لي كل شيء حنون، كريم، معطاء، مسامح، عطوف، دائم الالتصاق بي لا يفارقني طيلة وجوده في البيت، دائما يغدقني بالهدايا دون مناسبة".

حينما أتى المشيعون بجثمان طه مسجى على النعش، طلبوا منها أن تسامحه لترد "لم يغضبني يوما ولا أذكر أنه رفع صوته علي، أريده أن يسامحني هو".

قبل استشهاده بيوم، قطع اعتكافه في المسجد كما كان يفعل كل رمضان، وعاد إلى البيت، التقى بوالدته: "أنا رايح يما"، قبّل يديها ووجنتيها واحتضنها بحرارة لم يفعلها من قبل، حينها سألته "هل ستفطر معي اليوم؟"، أخبرها أنه سيخرج على عَجَل ولن يشاركها وجبة الإفطار، ولكنه وعدها وأبيه أن يعود بسرعة.

ومن المواقف التي جمعت طه بوالدته قبل أسبوع من استشهاده، ترويها: "أجريت عملية مرارة، لم يفارقني للحظة حتى إنه كان يبيت معي على السرير ذاته في المستشفى رغم أني أمازحه بأنه لا يتسع لشخصين، لكنه كان يصر على فعل ذلك كما كان يفعل وهو طفل صغير ليشعرني بقربي منه".

ترك طه سيرة حسنة بين الناس الذين يروون كثيرا من المواقف المشرفة التي جمعته بهم، حينما التقى بشاب يبيع السجائر والمعسل فدعاه إلى تركها، واقترح عليه أن يفتح بسطة ملابس على أن يشتري هو وأصدقاؤه منها.

يذكر أحد أصدقائه موقفا جمعة بطه، "كنا نذهب للنوم بعد العشاء، وذلك بعد انتهائنا من التدريب الشاق طيلة اليوم ، ونستيقظ قبل أذان الفجر بقليل لنتجهز للصلاة، أما هو فقد كان يتسلل من بيننا قبل ساعة من وقت التنبيه، دون إصدار صوت حتى لا يلفت الانتباه، يذهب ليتوضأ، ثم يصلي في زاوية من زوايا المكان، ويبوح لربه بشوقه له في السجود والقيام".