فلسطين أون لاين

الاحتلال يواصل خروقاته في القطاع لاستفزاز المقاومة

أبو زيد لـ"فلسطين أون لاين": مستقبل غزة سيظل هشا دون شراكة وطنية تصد الإملاءات الخارجية

...
الدمار الذي خلفه قصف الاحتلال على منازل المواطنين في قطاع غزة
غزة- عمان/ علي البطة

يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ويوسع ما يسمى بالمنطقة الصفراء، في خطوة تعكس رغبته في إعادة هندسة الواقع الميداني وتحقيق السيطرة تدريجيا على الأرض. هذه التحركات تعكس استراتيجية إسرائيلية لإعادة رسم ساحة الصراع وتحديد قواعد الاشتباك بما يخدم مصالحها طويلة المدى.

في الوقت نفسه، تحركت السلطة في رام الله لتعزيز موقعها السياسي والإداري، مستغلة الواقع الميداني في غزة، لكنها تواجه صعوبة في إيجاد صيغة توافقية شاملة مع الفصائل الفلسطينية.

في هذا السياق المعقد، يقدم الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد قراءته لمخاطر تحركات الاحتلال الإسرائيلي، ومساعي السلطة، ويحلل المخاطر والتحديات المتعلقة بالمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار.

خروقات الاحتلال وإدارة الصراع

ويقول أبو زيد في حديثه لـ "فلسطين أون لاين": استمرار خروقات الاحتلال في غزة لا يمكن فهمه كأحداث عشوائية، بل كجزء من استراتيجية تهدف لإعادة بناء صورة الردع بعد التهشيم الذي تعرض له جيش الاحتلال الإسرائيلي. معتبرا أن هذه الخروقات تهدف إلى إثبات أن وقف إطلاق النار هش، وأن المبادرة لا تزال بيد الاحتلال.

ويضيف أن الهدف الثاني هو استفزاز المقاومة الفلسطينية ودفعها للرد، بما يمنح الاحتلال ذريعة لتبرير أي عملية عسكرية مستقبلية. مشيرا إلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يستغل هذا المنحى للهروب من أزماته الداخلية، وتصوير نفسه كقائد قوي أمام الرأي العام الإسرائيلي.

ويشرح أن توسيع ما يسمى بالمنطقة الصفراء في قطاع غزة جزء من إعادة تهيئة بيئة العمليات، وهو يسمح للاحتلال بالسيطرة على الميدان دون العودة إلى اجتياح بري واسع. لافتا إلى أن هذه المناطق تستخدم لتسهيل ضربات دقيقة وتقليل الخسائر المباشرة في صفوف جيش الاحتلال.

ويشير أبو زيد إلى أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية تميل إلى "القتال بالإنابة"، عبر عصابات عملاء مدعومة استخباريا وجويا، تعمل ضمن المناطق الموسعة. موضحا أن هذا الأسلوب يمنح الاحتلال القدرة على المناورة والحفاظ على التوازن الداخلي والسياسي.

لا حرب ولا سلم

ويحذر من أن استمرار هذا النهج يخلق حالة "لا حرب ولا سلم"، تبقي غزة تحت ضغط دائم، وتعرقل أي محاولة لإعادة الإعمار أو استعادة الاستقرار، ما يجعل المنطقة أكثر هشاشة أمام أي تصعيد محتمل.

فيما يخص احتمالات العودة للحرب الشاملة، يستبعد أبو زيد سيناريو الاجتياح البري التقليدي، مؤكدا أن كلفته العسكرية والسياسية مرتفعة جدا، وأن المؤسسة الإسرائيلية ليست راغبة في تكرار تجربة أثبتت محدودية نتائجها.

لكنه يحذر من شكل آخر من الصراع، يقوم على الضربات الجوية الدقيقة، والعمليات الانتقائية، والاغتيالات المدعومة بالجهد الاستخباري المكثف. هذا النمط يسمح للاحتلال بإدارة صراع طويل دون إعلان حرب رسمية، ويمنحها القدرة على الاستنزاف.

ويرى أن الهدف من هذا الأسلوب هو إبقاء المقاومة تحت ضغط مستمر، ومنعها من إعادة تنظيم قدراتها، في وقت يحاول فيه الاحتلال تفادي توسيع دائرة المواجهة إلى أبعاد إقليمية، خاصة مع حساسية الوضع الدولي.

ويؤكد أن أخطر سيناريو ممكن هو نجاح الاحتلال في جر المقاومة إلى رد فعل واسع، ما يمنحه ذريعة سياسية وأمنية للانقلاب على الاتفاق، وفرض قواعد اشتباك جديدة تخدم مصالحه الاستراتيجية.

معبر رفح بين الالتزامات والاشتراطات

وفيما يتعلق بمعبر رفح، يقول أبو زيد إن المعبر بات مرتبطا مباشرة بالمرحلة الثانية من الاتفاق، وأن الاحتلال لم يعد يمتلك هامش مناورة واسعا، خصوصا مع ضغوط المجتمع الدولي لتثبيت التهدئة.

ويضيف أن أي محاولة للتنصل من فتح المعبر ستضع نتنياهو في مواجهة مباشرة مع واشنطن، التي ترى في المعبر أداة ضرورية لاستمرار الاتفاق، وليس مجرد ممر إنساني.

ويشرح أبو زيد أن السيناريو المرجح لإدارة المعبر يشبه نموذج ما قبل عام 2005، مع وجود مراقبين أوروبيين ضمن "الترويكا" وقوة محدودة من السلطة الفلسطينية، دون أن يعني ذلك استعادة سيادة كاملة أو إدارة مستقلة للقطاع.

ويحذر من أن تحويل المعبر إلى أداة أمنية بحتة سيبقي غزة رهينة للسياسات الإسرائيلية، وسيحول شريان حياة رئيسي إلى وسيلة ضغط مستمرة، تؤثر على المدنيين وتحد من أي تطورات سياسية إيجابية.

السلطة والتوافق الغائب

ويعتبر أبو زيد أن تحركات السلطة في هذا التوقيت تعكس محاولة لاستثمار الوضع الجديد لمصالحها، بعيدا عن أي مشروع وطني جامع، وأن العودة إلى غزة تطرح ضمن ترتيبات أمنية محدودة أكثر منها رؤية سياسية حقيقية.

ويصف تحركات حسين الشيخ وماجد فرج بأنها وظيفة تنفيذية، تهدف إلى تطبيق تعليمات الاحتلال وإدارة المشهد الأمني، وليس تعزيز دور سياسي مستقل للسلطة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب.

ويرى أن هذه التحركات تتقاطع مع مخططات إسرائيلية لتكريس ضم الضفة الغربية، وإضعاف أي جبهة فلسطينية موحدة، عبر تعزيز الانقسام وتعطيل أي توافق وطني شامل.

ويشدد أبو زيد على أن مستقبل غزة السياسي والأمني سيظل هشا ما لم يبن على شراكة وطنية حقيقية، قادرة على إنهاء منطق الإملاءات الخارجية وإعادة الاعتبار لوحدة القرار الفلسطيني.

المصدر / فلسطين أون لاين