يبدو أن السلطة وأجهزتها الأمنية تتجه لسياسة "الضرب بالحديد والنار"، ضد خصومها السياسيين ومرشحي القوائم الانتخابية المُعارضين لها، ضمن النهج الانتقامي الذي اعتادته، في أعقاب إعلان رئيسها محمود عباس تأجيل إجراء الانتخابات حتى إشعار آخر.
ففي ساعات المساء من يوم السبت الماضي، اقتحم ملثمون ترافقهم عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة منزل الناشط نزار بنات، الواقع في بلدة دورا جنوب الخليل، وأطلقوا النار صوبه، وحطموا أبوابه وألقوا قنابل صوت داخله؛ ما تسبب بحالة ذعر لدى أطفاله وزوجته التي لم تتعافَ بعدُ من مضاعفات إصابتها بفيروس كورونا.
وبحسب بنات، فإنه تلقى في وقت سابق بلاغًا لمقابلة النائب العام في رام الله يوم غد، مؤكدًا أنه يعتزم الذهاب، وأنه لا يخشى شيئًا.
وفي اليوم ذاته، تعرض منزل المحامي والقاضي السابق عمار النمورة من الخليل أيضًا، إلى إطلاق نار من أجهزة السلطة؛ ما يدلّل على عودة حالة الفلتان الأمني وفوضى السلاح لدى السلطة في مختلف مناطق الضفة الغربية المحتلة، حسب ما رأى نشطاء سياسيون.
الناشط في حقوق الإنسان ومسؤول لجنة الدفاع عن أهالي الخليل هشام الشرباتي، يؤكد أن ما جرى يندرج ضمن حالة الفلتان الأمني واستهداف السلطة خصومَها ومعارضيها السياسيين، عادًّا الاحتكام إلى السلاح "أمرًا مُحرمًا داخليًا".
وشدد الشرباتي خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين"، على ضرورة "متابعة الحادثة وحيثيتها من أجهزة أمن السلطة، والكشف عن الجناة ومحاسبتهم، وإلا فهذا سيؤدي إلى زيادة الشكوك المتعلقة بتورط السلطة وأوساط قريبة منها بالحادثة".
وأشار إلى أن الاعتداء على منزل "بنات" يتزامن مع حملة كبيرة يشنها مقربون من السلطة ضده والتحريض عليه، لكونه من أبرز الأصوات الرافضة لسياسات السلطة في الضفة.
وبيّن أن الشارع الفلسطيني في الضفة يسوده أجواء من التحريض والتوتر، في ظل غياب المشاركة السياسية وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى.
ورأى أن استمرار هذه الحالة في الضفة سيقود إلى مزيد من حالة الفلتان الأمني، خاصة في ظل حالة الاحتقان الداخلي وغياب المشاركة السياسية طيلة السنوات الماضية.
وبحسب الشرباتي، فإن الخروج من المأزق الراهن يتمثل في إنهاء الانقسام وتعزيز المشاركة السياسية في اتخاذ القرار الفلسطيني.
تخويف وترهيب
بدوره عدّ الناشط السياسي صهيب زاهدة، حادثتي إطلاق النار من أجهزة أمن السلطة "خطِرةً وتفتقر لكل معاني الأخلاق والآداب"، مشيرًا إلى أن ما جرى مع "بنات" أمر غريب وخارج عن المألوف على المجتمع الفلسطيني.
ورأى زاهدة خلال حديثه مع "فلسطين"، أن ما جرى يندرج في إطار إسكات حرية الرأي والتعبير والتخويف والترهيب، متوقعًا أن تكون هذه التحركات من السلطة "لتهيئة شيء ما للناشط بنات".
وبيّن أن ما يجري حاليًا في الضفة يندرج في إطار انتقام السلطة من خصومها السياسيين ومرشحي الانتخابات المعارضين لها، في أعقاب بدء تحركات من هذه الكتل رفضًا لقرار عباس تأجيل الانتخابات.
ووصف ما يجري بـ "الأمر الخطِر" لكونه يترافق مع حالة التصعيد والتشاور التي بدأها المرشحون ضد قرار تأجيل الانتخابات، مؤكدًا أن مدن الضفة تعيش حالة من الفلتان الأمني في الوقت الراهن.
وحذّر من تصاعد الأوضاع واستهداف نشطاء سياسيين خلال الأوقات القادمة، في ظل حالة الرفض الشعبي التي تسود الشارع الفلسطيني في أعقاب تأجيل الانتخابات.
وكان عباس قد أعلن تأجيل الانتخابات بذريعة عدم موافقة الاحتلال على إجرائها في مدينة القدس، وهو ما قوبل برفض واستنكار فصائلي وشعبي، لا سيّما أن هذا الاستحقاق ينتظره الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 14 سنة.
فلتان أمني
إلى ذلك رأى الكاتب والمحلل السياسي صلاح حميدة، أن تأجيل الانتخابات الفلسطينية فَتَح الباب واسعًا أمام استخدام العنف في حسم الخلافات الداخلية داخل الشارع الفلسطيني.
وأوضح حميدة خلال حديثه مع "فلسطين"، أن استخدام العنف سيدفع بمزيد من حالة الفوضى والفلتان الأمني التي تسود مدن الضفة، فضلًا عن شرذمة الحالة وتفتيتها، وتوجه الأفراد لاسترداد حقوقهم من بعضهم بعضًا بالعنف.
وقال: "يجب على السلطة مراجعة كل المرحلة السابقة التي عاشها الشعب الفلسطيني ومنها الانتخابات، والتعامل معها بعيدًا عن الانتهازية"، لافتًا إلى أن سياسة العنف ستُعمق الأزمات والفوضى في الشارع الفلسطيني.
وتوقّع أن تزداد الأوضاع في الضفة سوءًا إذا استمرت السلطة على نهج الإقصاء والتفرد وبسط الهيمنة، خاصة في ظل حالة التشرذم التي تعيشها حركة فتح.
وشدد على ضرورة "تدارك الأمر والقرارات السابقة، من خلال وضع رؤية حكيمة، وإلا سيكون المستقبل قاتمًا والعنف سيتوسع بدرجة كبيرة ضد ما تسميهم السلطة مخالفين لسياساتها".