يعكس العجز الهيكلي المستمر في ميزانية السلطة الفلسطينية فشل الحكومات المتعاقبة في إدارة المالية العامة بكفاءة. فعلى الرغم من محاولات تنويع مصادر الإيرادات والاعتماد على المنح الخارجية، لم تنجح هذه الحكومات في تقليص الفجوة بين النفقات والإيرادات، ما أدى إلى اعتماد متزايد على الاقتراض المصرفي لتغطية العجز.
وتشير البيانات إلى أن النفقات الشهرية للسلطة الفلسطينية تبلغ نحو 1.6 مليار شيكل، في حين لا تتجاوز الإيرادات الفعلية 550 مليون شيكل شهريًا، بما في ذلك المنح الخارجية.
ويولّد هذا الفارق عجزًا شهريًا يقارب 1.05 مليار شيكل، أي ما يزيد على ثلثي حجم الإنفاق، الأمر الذي يجعل الوضع المالي غير قابل للاستدامة.
وفي هذا السياق، قال الاختصاصي الاقتصادي نائل موسى إن العجز الهيكلي الكبير في الميزانية الفلسطينية يشكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الاقتصاد الوطني، موضحًا أن الاعتماد المستمر على الاقتراض المصرفي لا يعالج جذور الأزمة، بل يؤدي إلى تفاقم الدين العام وزيادة المخاطر الائتمانية على القطاع المصرفي.
وبيّن موسى، لصحيفة "فلسطين"، أن صرف الأجور منقوصة وارتفاع الدين العام يضعفان الطلب المحلي، ويحدّان من قدرة الحكومة على الاستثمار في الخدمات الأساسية والبنية التحتية، ما ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي ويزيد من الضغوط الاجتماعية.
وأشار إلى أن صرف الأجور منقوصة يُعد حلًا مؤقتًا لتجنب انهيار أوسع، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في كون الإيرادات أقل بكثير من النفقات الهيكلية.
وأضاف أن الأزمة تفاقمت منذ مايو 2025، مع استمرار سلطات الاحتلال في حجب أموال المقاصة الشهرية بمتوسط 450 مليون شيكل، من أصل نحو 900 مليون شيكل يُفترض توريدها شهريًا إلى الخزينة الفلسطينية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور وليد الجدي إن السلطة الفلسطينية تعاني منذ أكثر من عقد من عجز هيكلي مزمن في الميزانية، يتكرر مع كل حكومة، ويُقدَّم للرأي العام على أنه أزمة سيولة طارئة، بينما تعكس الأرقام حقيقة أعمق تتعلق بفشل بنيوي في إدارة المالية العامة.
وشكك الجدي، في حديثه لـ"فلسطين"، في دقة أرقام الإيرادات التي تعلنها السلطة الفلسطينية في بياناتها الرسمية، معتبرًا أن الإيرادات المعروضة أقل من حجم الإيرادات الحقيقية المتحققة فعليًا.
وأوضح أن مقارنة الأرقام المعلنة بمستويات مبيعات المحروقات والتبغ وضرائب قطاع الاتصالات تشير إلى وجود فجوة واضحة لا تنعكس بشكل كافٍ في البيانات المنشورة، رغم أن هذه القطاعات تشكل مصادر رئيسية للدخل العام.
وأشار الجدي إلى أن حجم الاستهلاك المحلي والضرائب المفروضة عليه يفترض أن يحقق إيرادات أعلى مما هو معلن، ما يثير تساؤلات حول آليات التحصيل وطرق الاحتساب ومستوى الشفافية في عرض البيانات المالية.
ودعا إلى تعزيز الإفصاح المالي ونشر بيانات تفصيلية توضح مصادر الإيرادات وآليات احتسابها، بما يسهم في رفع مستوى الثقة العامة، ويُمكّن الباحثين وصنّاع القرار من تقييم الوضع المالي بدقة أكبر.
وأكد الجدي أن وضوح الأرقام ودقتها يشكّلان عنصرًا أساسيًا لأي إصلاح مالي أو اقتصادي حقيقي، في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية، ووجود موارد كبيرة لا ينعكس أثرها بشكل ملموس على الواقع الاقتصادي.