فلسطين أون لاين

مُحرَّرٌ وأبٌ لشهيدٍ وأسيرٍ وشقيقُ عميد الأسرى

"جبل فلسطين".. أبو عاصف البرغوثي في عيون محبيه

...
أبو عاصف البرغوثي (أرشيف)
رام الله-غزة/ أدهم الشريف:

"لقد كان إنسانًا وطنيًّا من الدرجة الأولى، تنهار أمامه أي جدران تنظيمية فئوية سياسية أو عائلية، مدافعا عن الوحدة والمناضلين من أجل فلسطين، لقد كان بحق جبلًا من جبال فلسطين الشامخة".. هكذا وصفوا القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس الفقيد عمر البرغوثي "أبو عاصف"، الذي توفي أول من أمس متأثرا بإصابته بفيروس كورونا.

ويقول محبوه: إن "أبو عاصف" برحيله ترك خلفه فراغًا كبيرًا في نفوس من عرفه بحبه لأرضه وعائلته التي تعاني منذ عقود طويلة انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، حتى أصبح في نظرهم مناضلا بحجم وطن.

و"أبو عاصف" مُحرَّر من سجون الاحتلال، قضى خلف قضبانها نحو 30 عاما من عمره ما بين أحكام طويلة واعتقال إداري متجدد، وهو والد الشهيد صالح والأسير عاصم، وشقيق عميد الأسرى نائل الذي أمضى في سجون الاحتلال أزيد من 40 عاما.

ينحدر أبو عاصف من قرية "كوبر" التابعة لمحافظة رام الله والبيرة، وهي قرية اشتهرت باعتقال العديد من أبنائها في عهد الانتداب البريطاني وحتى بعد إعلان قيام دولة الاحتلال على أرض فلسطين بعد نكبة 1948، كما يقول محرم البرغوثي، أحد أفراد العائلة وسكان القرية، الذي عرف "أبو عاصف" عن قرب.

يضيف البرغوثي لصحيفة "فلسطين" أن ظروف الاحتلال وما تركه من تداعيات على القرى والبلدات الفلسطينية وخاصة قرية كوبر، جعلها تنبض بروح النضال من أجل الحرية، وزُرع هذا في أجيال القرية، وكان "أبو عاصف" واحدا من هذه الأجيال.

وتابع عن "أبو عاصف"، أنه كان فلاحًا ينتمي إلى أسرة فقيرة، ومحبا للأرض وشجرة الزيتون، ومنذ نعومة أظفاره وفي "عز شبابه" عبّر عن حبه للأرض وفلسطين وشعبنا بالمشاركة في عملية فدائية مع مجموعة من شبان القرية في قتل مستوطن إسرائيلي عام 1978.

علاوة على ذلك، فإن ربحي البرغوثي ابن عم أبو عاصف، استشهد عام 1969، في عملية فدائية نفذها آنذاك.

وأكمل أن "أبو عاصف" اتخذ من حبه للناس والاستماع لهم منهجًا للتعامل معهم والقيام بواجباته الاجتماعية، وكان نموذجًا للأسرة الفلسطينية، مشيرا إلى أن الاحتلال رغم جرائمه وجبروته ونسف بيته وبيوت المواطنين لم يستطع لَيَّ ذراعه والنيل من إرادته.

ويقول جلال رمانة، أحد أصدقاء الراحل "أبو عاصف"، وتعرف إليه في الأسْر، والتقى به وشقيقه نائل في سجن "عسقلان"، وقضوا معًا سنوات طويلة داخل غرفة واحدة، إن "أبو عاصف" شكَّل قيمة وقامة كبيرة داخل السجون، وهو جدي للغاية ويمتلك القدرة على المزاح والطيبة واحترام الآخرين في الوقت نفسه.

وأضاف رمانة لـ"فلسطين": عندما تقف أمام "أبو عاصف" فأنت تقف أمام فلاح فلسطيني، ورجل مثقف وأسير وخبير في التعامل مع الآخرين، وقد عرف بمواقفه الشجاعة والشديدة والقاسية مع عناصر إدارة سجون الاحتلال، ووقوفه ضد انتهاكاتها، وعدم السماح للسجانين بتجاوز حدودهم مع الأسرى، وكان يقف في وجههم بصوته الجهوري ويوبخهم باللغة العبرية التي أتقنها بعد سنوات طويلة قضاها أسيرًا.

وتابع أن السبب في ذلك انتماء "أبو عاصف" إلى عائلة فلسطينية مناضلة ومجاهدة تُورث المقاومة وحب الأرض عبر أجيالها.

ويقول المُحرَّر جاسر البرغوثي الذي أطلق الاحتلال سراحه في صفقة تبادل الأسرى "وفاء الأحرار" نهاية 2011، وأبعده إلى غزة: إن "أبو عاصف" في آخر لحظاته كان يوصي بالمنهج الذي سار عليه، ولقد شكل شخصية استثنائية في الحالة الفلسطينية، والجميع يدرك دوره الذي نفتقده بعد رحيله.

وأضاف البرغوثي خلال مشاركته في بيت العزاء الذي أقامته حماس في غزة لاستقبال التعازي في رحيل "جبل فلسطين"، أنه قاتل في بيروت قبل عودته إلى الضفة الغربية المحتلة، وبدأ بتشكيل مجموعات فدائية في سبعينيات القرن الماضي، وحكم بالمؤبد في سجون الاحتلال، وتحرر في صفقة تبادل في الثمانينيات.

وعدَّ أن "أبو عاصف" يعكس قصة عائلة فيها الأسير والأسيرة والشهيد والمجاهدون، ويشكل نموذجًا حقيقيا للشعب الفلسطيني وطريقه الوحيد للخلاص من الاحتلال.