لائحة العقوبات الجديدة داخل فتح

تصريحات القيادي في فتح عبد الفتاح حمايل التي كشف فيها عن تهديد قيادة الحركة لأعضائها الذين يفكرون بالترشح خارج قائمتها بالقتل، هل تدعونا للخوف من فتح أو الخوف على أبنائنا؟

ما الأمور التي لا نعرفها وقادت فتح إلى هذا القرار؟ هل وصل نفوذ القيادي محمد دحلان وأمواله إلى "ثوري فتح"؟ أو أنه الخوف من المشاركة المنظمة لخصوم الحركة أو من حماس التي تُغذِّي خلافاتهم نجاحاتها؟

هل فشلت إجراءات السيطرة والضبط داخل فتح حتى يُلجأ إلى أسلوب التهديد بالقتل؟ أم أن قيادة الحركة واللجنة المركزية استشعرت أن الانتخابات المقبلة -إن جرت- ستجلب الصوت العقابي ضد كل المتنفذين وفاقدي الأهلية ومن سرقوا فتح من أصلها، ومن جعل المنتمين إليها عُرضة للابتزاز والقهر، واستعملوا أبناء فتح وسيلة وأداة للضغط على خصومها؟ وضد من أسس انقسامًا حتى داخل فتح، وصل إلى أن تشعر أقاليم غزة بالتهميش والإهمال على حساب نظيرتها بالضفة؟

يعود تصريح القيادي أبو الحمايل بذاكرتنا إلى توجيه سابق للرئيس أبو مازن ظهر فيه عبر شريط فيديو يطلب بكل صراحة ووضوح بقتل كلِّ فدائي فلسطيني، بقوله بالنصِّ: "اللي بشوف واحد حامل سلاح يقتلوا.. يطخوا". يتأسس بذلك قانون ثوري جديد لفتح، ساهم فيه أبو مازن بشكل أساسي ومحوري، يرسخ به صورة الحركة ووظيفتها وأدوارها البعيدة تمامًا عن مفاهيم النضال والثورة، حتى أصبح ممنوعًا على الفتحاوي ممارسة حقه في المقاومة والعمل السياسي والترشُّح وإبداء الرأي، بما يعنيه ذلك من سيطرة تامة لفكر الإقصاء والتخوين.

يبدو أن غريزة أبو مازن في التشريع وإصدار القوانين المشبوهة امتدت إلى الإطار التنظيمي لفتح، وبدَّل المفاهيم ووضع لائحة عقوبات جديدة تناسب المأزق السياسي للحركة أو الالتزامات التي قيدت نفسها بها حتى بات التحلل أو التفكير بالعدول عنها والتراجع، تكلفته القتل، فلا غرابة إذًا أن نجدها تهدد بالمصير نفسه.

يجب أن نعترف بأن مسار التسوية أو الاتفاقات الناتجة عنه وفي مقدمتها أوسلو ليس المهتم الوحيد في حين وصلت إليه فتح، بل قيادتها التي يغزو الشيب رأسها، وفي مقدمتهم أبو مازن الذي يحب القول غالبًا بأنه شارك في صنع قَدَر فتح، وهذه هي الحقيقة.

يمثل ما كشفه أبو الحمايل خروجًا عن كل أدبيات التخاطب واحترام العضوية والانتماء، ومقياس لدرجات التفكك والديكتاتورية الحزبية الصريحة التي لا يمكن معها لوم الأعضاء؛ بشكل يثير قلقًا بالغًا على مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومستقبل قضيتنا؛ بسبب رئيس فشل في كبح التنازعات الداخلية لحزبه حتى فقد السيطرة عليه، لولا حبل الرواتب.

إن خطورة ما كشفه أبو الحمايل تكمن في أنه يمثِّل مصادرة لأهم حقٍّ من الحقوق السياسية والمصونة للمواطنين، بغض النظر عن مركزهم الحزبي أو الوظيفي، ولا يمكن في إثره عدُّ فتح مؤتمنة على التحكم وإدارة التداول السلمي للسلطة والقيادة، إذا كانت تمنعه على أبنائها.

إنه الوضع المطمئن للدول والحلفاء الذين أرادوا رؤية الحركة بهذه الحالة الداخلية، وبالأخص "إسرائيل" التي يُنسب لها الفضل في إشاعة القتل والتحريض عليه حتى سرَّبته كفكر وحلٍّ يُلجأ إليه داخل فتح ضد أي معارضة داخلية، وهذا سيغري المنتفعين الدوليين بالاعتماد عليها أكثر في تنفيذ أجندتهم. إن في الأمر الذي كشف عنه أبو الحمايل، لا يمكن توجيه اللوم فيه إلى أبو مازن فقط؛ لأن هناك "من قتل القتيل ومشى في جنازته".