حملة إقالات واستقالات شهدتها السلطة الفلسطينية وحركة فتح -مؤخرًا- في حراك عدَّهُ مراقبون انعكاسًا للانقسامات الداخلية، ويشي بالصراع على النفوذ، ومحاولة هيمنة كل معسكر على حساب الآخر.
وكان آخر تلك الاستقالات، قبول رئيس السلطة محمود عباس، الأربعاء الماضي، استقالة رئيس هيئة مكافحة الفساد بالضفة المستشار أحمد براك، ليصبح سادس مسؤول في السلطة الفلسطينية و" فتح" يستقيل؛ لأسباب بعضها مجهولة في مدة قصيرة.
المحلل السياسي تيسير محيسن رأى تلك الخطوات تدخُّلًا؛ لكون السلطة الفلسطينية في التوجُّه العام مُقبلةً على مرحلة جديدة متعددة الجوانب تشمل العلاقات الداخلية، والعلاقة مع الخارج والاحتلال الإسرائيلي والخطوات الأولية للمصالحة الوطنية.
وسبق استقالة براك، استقالة المحافظ عزام الشوا من رئاسة سلطة النقد، ولاحقًا استقالة نائبه رياض أبو شحادة من موقعه.
وفي 9 ديسمبر الماضي، قَبِل الرئيس عباس استقالة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي، في حين استقال رئيس بلدية نابلس سميح طبيلة برفقة اثنين من أعضاء المجلس البلدي يوم 10 يونيو 2020.
وكان في مقدمة أولئك المسؤولين القيادي بحركة فتح محمد المدني الذي قدَّم في فبراير 2020، استقالته إلى الرئيس عباس من رئاسة لجنة "التواصل مع المجتمع الإسرائيلي" التابعة لمنظمة التحرير، وفي 29 فبراير الماضي أعلن 5 أعضاء في مجلس بلدي مدينة رام الله وسط الضفة استقالتهم.
وقال محيسن لصحيفة "فلسطين": "تغيير الوجوه سياسة لدى القادة لاستقبال أي مرحلة جديدة، وهي تعدُّ من الضرورات تهدف - غالبًا- إلى تحميل القيادات الذاهبة خطايا القيادات السابقة بسلبياتها، وهي طريقة ذكية، لئلا يبقى القائد مرتبطًا اسمه بمساوئ الفترة الماضية بوجود هؤلاء الأشخاص".
وأشار إلى أن إقالة الأشخاص يهدف لإغلاق ملف السلبيات التي حدثت في ظل وجودهم، "وهو ينم عن صفحة جديدة في الحالة السياسية للسلطة ستتجلى ملامحها عبْر مشهد التعيينات الجديدة في تلك المواقع ونمط الشخصيات الجديدة".
ورأى محيسن أن المرحلة الحالية تتطلب من قيادة السلطة تغيير الأحصنة لدخول معركة جديدة بأحصنة جديدة، مدلِّلًا على ذلك بإقالة شخص كـ"محمد المدني" الذي ارتبط اسمه بالفساد والعلاقات الجهرية مع الاحتلال.
وبيَّن أن هذا التغيير ترى فيه قيادة السلطة عاملًا مساعدًا إذا أجريت انتخابات، بإقالة شخصيات تلطخوا بالفساد، وأن دخول الانتخابات بوجودها سيفتح بوابة كبيرة من الانتقادات ضد السلطة.
خلافات داخلية
من جانبه، رأى المحلل السياسي إياد الشوربجي أن الإقالات تنطوي على أسباب عدة، أولها: الخلافات الداخلية في أروقة السلطة وحركة "فتح"، مبينًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الخلافات مرده إلى الصراع على خلافة محمود عباس، والصراعات بين أجهزة السلطة التنفيذية الأمنية والمدنية، إلى جانب البعد المناطقي (شمال الضفة وجنوبها).
وأشار إلى أن خلافة عباس هي السبب الأساسي لهذا الصراع، "كما أن مستقبل السلطة يلقي بظلاله على المشهد بسبب دخولها في مأزق سياسي من الصعب الخروج منه بعد انتهاء مسار التسوية والتنكر الإسرائيلي والعالمي لها، إذ بات دور السلطة مختزلًا في الجانب الأمني، وباتت مفرغة من كل المضامين السياسية، ولم يعد هناك مستقبل لحل الدولتين".
رأى الشوربجي أن أطروحة الانتخابات تمثِّل عاملًا آخرًا في معادلة الصراع الفتحاوي، "فثمة تيار يرفض الانتخابات ويرى أن وقتها غير مناسب لحركة فتح، خاصة بعد انتهاء الأفق السياسي الذي راهنت عليه".
وأوضح أن وجود تيارين في فتح (دحلان وعباس) يزيد قلق قادتها على مستقبل الحركة في حال دخولها أي انتخابات وهي منقسمة على نفسها.
وقال: "سيترجم أثر التيارين في أي انتخابات مقبلة، في ظل وجود هيمنة كبيرة لتيار دحلان على غزة ونفوذ كبير بالضفة، رغم عدم السماح لتياره بالنشاط هناك".
وتابع: "ففي انتخابات 2006 كانت فتح أفضل حالًا وانقسمت إلى قائمتين حينها (قائمة عباس وقائمة مروان البرغوثي)، فما بالك الآن بعد ما دخلت فتح في حالة من التراجع الشديد على الصعيد السياسي الداخلي والوطني وعلاقتها مع الاحتلال، ومسار المصالحة المتعطل".
وأكد الشوربجي أن الإقالات تعكس قلقًا من عباس ومَن يدور في فلكه، إذ يخشى أن تخرج فتح من نفوذه ومصالحه ومصالح أبنائه الاقتصادية في الضفة والخارج، ويتولاها أشخاص لا يدينون بالولاء له.

