خطيبي ملّ صمتي وأنا "شخصيتي هيك"

...
صورة تعبيرية
غزة - آلاء أبو عيشة

مالت أمها ناحيتها وهمست في أذنها ضاحكةً: "شو، لحقنا نزعل؟!، ما صار إلك شهر مخطوبة"، تلك الدعابة لم تلق عند ابنة العشرين "فاطمة" أي استحسان، لفّـت وجهها واستمرّت شاردة الذهن تستذكر آخر مكالمةٍ هاتفية بينها وبين خطيبها، في الواقع المشكلة أكبر بكثير من مجرد "ملاكشات" بين خاطِبَيْن.

تقول: "خطيبي من النوع المرح، كثير الكلام (لا أقول بلا فائدة)، بل إنني أندهش من قدرته على الكلام، هو خلوق، ديّن، مثقف، يتابع التطورات الحاصلة، ويحدثني في شتى الأمور: العلوم، والسياسة، والتاريخ، ويتطرق إلى الكثير الكثير من مناحي الحياة"، مستدركةً: "لكن أنا بطبعي قليلة الكلام، وإجاباتي موجزة، ربما لطبيعة تربيتي بين أربعة شبان لا يوجد بيني وبينهم أي أحاديث مشتركة إلا تلك العائلية البسيطة، وهذا لا يعجب خطيبي البتة".

وتزيد: "بعد شهر مر على خطبتنا كلمني خطيبي عبر الهاتف بعد انقطاعه عن زيارة الأسبوع الأخير، معبرًا عن رفضه لما اعتقد أنه "خجل مبالغ فيه" من ناحيتي في مشاركته في الحديث، مؤكدًا أنه حاول جاهدًا إقناع نفسه بي زوجة ستشاركه العمر طوال هذه المدة، لكنني لا أساعده على ذلك، مع كل المزايا التي أتمتع بها من حسب ونسب وجمال"، متابعةً: "حديثه أحبطني، هو لم يحتمل طبيعة شخصيتي شهرًا واحدًا؛ فما بالنا ونحن نتحدث عن عمر بأكمله؟!".

ولا تنكر "فاطمة" اقتناعها الكامل بشخص خطيبها، وإعجابها بشخصيته المحاورة الجريئة، لكن هذا لم يعد يكفي _على حد تعبيرها_ لإتمام الزواج، لاسيما أنه أعطاها فرصةً أخيرة لمعاودة التفكير تحت ظن "أنها لا تريده، أو أنها مجبرة على القبول به" بسبب صمتها الدائم، دون أن يخطر بباله أن شخصيتها هي هكذا منذ ولدت.

وتضيف: "يسألني أحيانًا عن رأيي بملابسه _مثلًا_ لجر الحديث، فأكتفي بهز رأسي والابتسام، وقد يسألني عن رأيي في حدث ما، فأورد إجابة مغلقةً، على الأغلب: (نعم، أو لا)، لا مجال فيها للزيادة أو النقصان"، مشيرةً إلى أن الأمر لا يتعلق بخجلها منه؛ فالحديث عبر الهاتف بينهما "يأخذ المنحى نفسه".

تخشى "فاطمة" اليوم استمرار خطيبها معها على مضض، كونها متيقنة من أن شخصيتها هذه لن تتغير، فتشتعل المشاكل بعد الزواج وتنتهي القصة بالخسارة لكليهما، هي تتمنى أن تجد حلًّا، لكنها لا تدري ماذا يمكن أن يكون مع شخصيتها التي تدرك أنها لن تتغير.

الوضوح والصبر

الاختصاصية النفسية أ. د. عايدة صالح علقت في بداية الأمر على آخر سطرٍ وردَ في القصة السابقة بالقول: "لا شيء اسمه: شخصيتي هكذا ولا يمكن أن تتغير، هذا تفكير خطأ، فبعض مزايا تكوين الشخصية ثابتة، وهذا صحيح، لكن هناك مزايا أخرى يمكن تغييرها بالتدريب والتمرين"، مشددةً على ضرورة أن تضع الفتاة على رأس أهدافها قبل التفكير بأي شيء آخر هدف الحفاظ على خطيبها، لاسيما أنه على خلق ودين وثقافة وعلم، وهذا لا يتوافر في كثير من شباب هذه الأيام.

وأضافت: "إذا كانت الفتاة معنية بالاستمرار مع الشريك فلابد من أن تتخذ خطوةً نحو الأمام على صعيد تحسين العلاقة، فتطلبه في جلسةٍ جديدة، توضح له فيها بكل جرأة طبيعة وضعها، وحياتها التي نشأت فيها، وبعض خصائص شخصيتها (أنا فتاة لا أحب الكلام الكثير، ولست مطلعة على كثير من الأمور التي تتحدث أنت فيها: سياسة، أو اقتصاد، أو جغرافيا، لا أعرف كيف يمكن أن أفتح حديثًا ... إلخ)، مع تبيان درجة السعادة والفرح به، ورغبتها بالاستمرار معه للصفات التي أعجبتها فيه، ككرمه وثقافته وطيبة قلبه، وغير ذلك، مع إعطاء الوعد بمحاولة التغيير.

وزادت بالقول: "إذا كان الخاطب معنيًّا بالاستمرار فحينها عليه أن يصبر، وأن يأخذ بيدها ويدلها على طريق التغيير هذا، بتدريبها على فتح الحوار أو على المشاركة فيه، أيًّا كانت طبيعته، ويفضل البدء بالحوارات التي تتماشى واهتماماتها هي"، مؤكدةً أن مجرد فكرة التوضيح سيوصل إلى الخطيب رسالة مفادها: "أنا أحبك، أريدك معي حتى النهاية، ساعدني على تحقيق ذلك".

تدريب ذاتي بسيط

ولفتت د. صالح إلى تقنية الكرسي الفارغ لمحاولة تغيير الشخصية الخجولة، أو غير المنطلقة اجتماعيًّا (وهي التي تعتمد على جلوس الشخص أمام كرسي فارغ، وتخيل أي شخص يجلس عليه، وتدريب اللسان على محاورته وجر الحديث معه)، وتقنية الحديث إلى النفس في المرآة (كيف أبدو وأنا أتكلم؟، هي تقنية تزيد الثقة بالنفس، وتدرب الشخص على ماذا يريد أن يقول مع التحكم في لغة الجسد).

وعقبت: "يمكن أن تتجهز الخطيبة لزيارة خطيبها لها بورقةٍ تكتب عليها رؤوس أقلام بسيطة في بعض المواضيع التي تريد أن تحادثه فيها، بعد اطلاع مسبق حتى لا تتوه منها الحروف، كأن تقرأ كتابًا يهتم هو بموضوعه، يتعلق بتنمية الذات، مثلًا، فتبدأ معه الحديث بالقول: "اليوم عرفت معلومةً مهمة في موضوع كذا"، وهو بدوره سيجيبها بمعلومةٍ أخرى يعرفها هو، وهي عليها أن تعقب عليها وهكذا".

وأشارت د. صالح إلى دور "الخجل" السلبي في إدارة واستمرار الحوار بين "الثنائي"، إذ تفضل الفتاة الصمت في الأمور التي لا تعرف عنها شيئًا على سؤال خطيبها عن معلوماتٍ إضافية عنه، منبهةً إلى أن اعتراض الخطيب على هذه النقطة تحديدًا مؤشر خطر على ما سيكون عليه شكل العلاقة المستقبلية بعد عدة أعوام من الزواج، وعقبت: "فإذا فشلت الفتاة في تغيير هذا الأمر أو تعديله خلال مدة الخطوبة؛ فالأفضل أن تفكر جديًّا في الانفصال قبل إتمام الزواج، لأن الرجل عندما يتقدم لخطبة فتاة يكون سؤاله التقويمي الأول الذي يسأله لنفسه: هل هذا هو الشخص الذي أتمنى أن أتحدث إليه طوال العمر؟".