فلسطين أون لاين

حولته إلى صالة رياضية لممارسة تمارين الليونة مع "كورونا"

من قلب منزلها .. الطفلة "أريج" تطارد حلم "معانقة العالمية"

...
غزة - يحيى اليعقوبي

في منزلها، تحولت إحدى الغرف إلى صالة رياضية تمارس فيها أريج (١٢ عامًا) تمارين الليونة، مع جائحة كورونا التي تسللت إلى داخل المجتمع في قطاع غزة.

بمرونةٍ عالية؛ تتلوى مثل "عنكبوت"، أو "فراشة" تحلق بجناحيها إلى حلمٍ انتظرته طويلًا؛ لم ترفع "راية الاستسلام"، تحافظ على رشاقة جسدها، بهدوءٍ تضعُ يديها على حافتي الكرسي مستقيمة الرأس ترفع جسدها للأعلى، ثم تحني قدميها على جانبي رأسها، في حركة أخرى؛ تقلب قدميها عند رأسها الذي يظهر أمامك من بين قدميها وهي نائمة على بطنها.

تغير حركتها، فتضع قدمًا على الأرض والأخرى تصعد مستقيمة نحو الأعلى ملامسةً كف يد والدها، كخط "عمودي"، يسندها كي لا تسقط، كي تصل إلى حلم "معانقة العالمية" ودخول موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، مواصلة التدريب والاستعداد من قلب إحدى غرف منزلها، تسابق الزمن، وتتحدى الصعاب، ترفض فكرة " تأجيل التمارين " إلى ما بعد أزمة جائحة "كورونا"، وهكذا تتقرب الطفلة أريج أيوب من حلمها.

تستمر التدريبات؛ أريج تضع يديها على كتفي والدها؛ مفتول العضلات، فترفع قدميها للأعلى بعد أن ترفع جسدها، ثم تنحني بهما بهدوء وبحذر، وتفردهما للأمام من جانبي رأسها، ينزلها فتضع يديها على الأرض وترفع قدميها للأعلى ثم تفردهما للأمام وتنحني بهما نحو الأسفل ملامسة الأرض وتخرج رأسها منهما مشكلة حركة يطلق عليها "السلطعون".

تجلس على الأرض فتفرد قدميها بالاتجاهين، يقابلها والدها الذي يضغط بقدميه على ساقيها من كل اتجاه، حتى يعيدها إلى الاستقامة كلما انحنت قليلًا، في حين تهز أريح رأسها مرات متتالية، تتفاعل مع أصوات الموسيقا الرياضية، تخرج العائلة من أجواء الفيروس إلى أجواء الرياضة وتنمية الموهبة، فهناك حلم ينتظر "أريج" يلتصق بها؛ حتى في نومها، تتشبث بالأمل، وتبحر في بحره بمجداف "الهمة العالية".

ثنائي "الأب وابنته"

في المنزل الواحد التقت موهبة أريج في الليونة، مع رياضة رفع "الأثقال" لوالدها، يشكل الثنائي المكون من "الأب وابنته" مزيجًا مختلفًا، ليس متقاربًا، لكنه ينفعهما كثيرًا في عروض الليونة، برفعها للأعلى، أو حملها وهي تلتف على ذراعه، كما يظهر في العروض العالمية.

خصص الأب غرفة في البيت لتدريب طفلته وتدريب نفسه على رفع "الأثقال"، لكن قبل ذلك كانت هناك أعمال توسعة، يضحك: "رفعنا الأثاث لتكون الغرفة واسعة، ونلعب براحة أكثر، ولا نصاب، واضطررنا إلى تفريغ الغرفة لنمارس الرياضة".

لا يزال في كواليس التدريبات بقية، والدها ينقلنا إلى قلب المنزل ولكن عبر الهاتف وتطبيقات مواقع التواصل التي شاهدنا عبرها التدريبات السابقة، يقول: "يشجع كل منا الآخر على ممارسة الرياضة، اتفقنا أن نخصص ساعة تدريبية في اليوم".

من صوته تخرج ابتسامة يصل صداها إليك عبر الهاتف: "هي جالسة بالبيت، والمدارس معطلة، وكذلك حالي لا أستطيع ممارسة رياضتي المفضلة، فيشجع أحدنا الآخر، فلا يحدث لدينا اكتئاب، وتذهب الطاقة السلبية".

"أريج ماشية معي، حابة اللعبة وبتحكيلي: "بابا تعال دربني، بحس حالي سعيدة وإنت بتدربني" يقيم ابنته، معلقًا: "معنى الكلام أن الرياضة وسيلة للسعادة تحارب الاكتئاب".

الأب يساعد ابنته، لكونه أمضى عشر سنوات لاعبًا لـ"الكاراتيه"، فيبدأ تمرينها اليومي بالإحماء لتجنب الشد العضلي، يقول: "شاهدت تدريبات كذلك بشأن تمارين الليونة، والوضيعة المناسبة، إن رفعتها على كتفي، أو فردت قدمها من منطقة الحوض، وهذه تحتاج إلى ربع ساعة إحماء".

حلم لم يأفل

"إن ابتعدت عن التمارين فقد تقل ليونتها، فيجب أن تستمر في نشاطها، على الأقل تمارس لعبتها يومًا بعد آخر، حتى تتجنب الإصابات، وتكون جاهزة للعب".

يكاد المشهد يكون روتينيًّا في المنزل، بعد ثلاث ساعات من تناول الإفطار، تبدأ الحصة التدريبة، في كواليسها حديث في جعبة والدها: "أهم شيء أنها تحب اللعبة، فتطلب مني الضغط عليها أكثر حتى تؤدي الحركة الصحيحة".

لم يفارق الحلم ذاكرة أريج، ومع أنها لم تستطع حتى اللحظة المشاركة في برامج المواهب العربية، أو في بطولة "الليونة" التي كان مفترضًا أن تخوض غمارها بالهند في تشرين الآخر (نوفمبر) الماضي على مستوى آسيا، إنها تتمسك بذلك الحلم.

الحلم أن تمثل فلسطين وتؤدي حركة غريبة نادرة لم يؤدها غيرها، منذ خمس سنوات تستعد لهذه اللحظة، أما والدها فيساندها إلى أبعد حد، الدليل هنا: "مستعد ليس لتدريبها فقط، بل لمشاركتها في العروض ثنائيًّا، إن تطلب الأمر ذلك".

ومع عدم سماح الظروف لها بالسفر، أريج لا تترك حلمها وشأنه، بل تطارده رغم بعد المسافات، و"إيمانها" أنه لن يكون هنا داخل غزة، بل على خشبات "التكريم" في الخارج، وأنها حتما ستلتقيه.