فلسطين أون لاين

التطبيع مع (إسرائيل) والمأزومون الثلاثة

بلا مقدّمات، وبلا تحشيد إعلامي مسبق كما عادته، عندما يريد أن يصدح بأمر ما، خرج علينا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عبر شاشات التلفزة، وحولة رهط من مساعديه وأفراد من أسرته (صهره جاريد كوشنير) ليعلن أن "اتفاق سلام" قد تم بين رئيس وزراء (إسرائيل) نتنياهو وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، ثم صفق له الأعوان من حوله، وقال إن مراسم التوقيع ستكون في البيت الأبيض بعد أيام.

لم يفاجئنا هذا كله، فعلم (إسرائيل) رفرف غير مرة، في السنوات العشر الأخيرة، في أبوظبي ودبي، وقد أشار الكاتب إلى ذلك في أكثر من مقال، على استحياء. وتتابعت وفود إسرائيلية على أعلى المستويات في ضيافة إمارة أبوظبي. وهناك وقائع كثيرة بين تل أبيب وأبوظبي ليس هذا مكان شرحها، وإن يحسن التذكير بالطائرتين الإماراتيتين اللتين حطتا في مطار اللد (بن غوريون)، وحملتا مساعدات طبية للشعب الفلسطيني، فيما كان في الوسع إيصال تلك المساعدات برّا من عمّان إلى رام الله، كما كانت العادة. "إنهم يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" (البقرة الآية 9)

(2)

قرّر الثالوت المأزوم، الرئيس الأميركي ترامب، ورئيس وزراء (إسرائيل) نتنياهو، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، أن يخرج كل منهم من أزماته المتعددة. وطبقا لمشورة خبراء مكتب الأزمات في واشنطن، لا بد من إيجاد مشكلة ينشغل بها الناس في كل مكان، لتناسي الانكسارات التي تواجه الثالوث المذكور. يواجه ترامب تراجع شعبيته قبيل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، في غضون بطالة بلغت أكثر من 33.3 مليون عاطل نتيجة وباء كورونا يطالبون بمعونة، وسجّل الاقتصاد الأميركي تراجعا كبيرا، والأزمة الأميركية ــ الصينية في تصاعد، والعلاقات الأميركية مع الاتحاد الأوروبي ليست كما يجب أن تكون، إلى جانب أمور أخرى. ويواجه المأزوم الثاني، نتنياهو، أزمات سياسية وقضائية متعدّدة، منها محاكمته بتهم الرشوة وخيانة الأمانة والاحتيال، وبروز منافس قوي، هو جدعون ساعر، لرئاسة حزب الليكود؟ كما أن استطلاعات الرأي في "إسرائيل" أظهرت ارتفاع أسهم حزب "أزرق أبيض"، واحتمال حصوله في انتخابات مبكرة جديدة على 36 مقعدا في البرلمان (الكنيست) مقابل 32 لليكود. وهناك معضلة إقرار الميزانية العامة في 25 أغسطس/ آب الحالي، والمعارضة الدولية والداخلية لمشروع نتنياهو ضم أراض في الضفة الغربية والأغوار. أما أزمات محمد بن زايد فكثيرة ومتشعبة داخليا وإقليميا وعربيا ودوليا، أزمة اقتصادية، السحب من الصندوق السيادي لأبوظبي يتعاظم، الأمر الذي سيخلّ بالاحتياطي العام للدولة، وإمارة أبوظبي تحديدا. وفقدت دبي أكثر من 20 ألف وظيفة في قطاعاتٍ مهمة، وفق الـ"نيويورك تايمز" (14/7/2018)، تهميش دور المجلس الأعلى للاتحاد، مخالفة المادة 45 من الدستور "في حال عجز رئيس الدولة الاتحادية عن القيام بدوره يقوم نائب رئيس الدولة (وهو في هذه الحالة حاكم دبي محمد بن راشد) بمهام رئيس الدولة الاتحادية". وهناك حصار محمد بن زايد دولة قطر، الأمر الذي لاقى معارضة شديدة من حكام الإمارات الآخرين، فشل في بناء أكبر مطار عالمي في دبي، يقدّر استيعابه بأكثر من 250 مليون مسافر، بسبب تراجع اقتصاد الإمارات. وهناك خلافات بين حكام الإمارات ومحمد بن زايد، لعدة أسباب، أهمها السياسة الخارجية والدفاعية والحروب التي تخوضها الإمارات في اليمن وليبيا، وتمويل الحروب في سورية والعراق (تصريحات حاكم الفجيرة، راشد بن حمد الشرقي)، فضلا عن أنه أصبح منبوذا في عواصم غربية عديدة، وقد بات يخشى السفر إليها، لأنه متهم بارتكاب جرائم حرب في اليمن وليبيا وغيرهما، وأيضا بسبب ملف أبو ظبي الأسود في حقوق الإنسان.

(3)

لهذه العوامل، قرّر الثلاثة أعلاه إعلان ما سموه "اتفاق سلام" بين الإمارات و"إسرائيل". وأصر محمد بن زايد على أنه تم الاتفاق بينهم على إيقاف "إسرائيل" خطتها ضم أراض فلسطينية (وكالة أنباء الإمارات)، غير أن نتنياهو تحدّث علنا أمام وسائل الإعلام إن خطته تطبيق السيادة الإسرائيلية على هذه الأراضي لم تتغير، على الرغم من توقيع الاتفاق، التاريخي بحسبه، مع أبوظبي التي وصفته نصرا، واعتبره وزير خارجية الولايات المتحدة، بومبيو "خطوة مهمة من أجل السلام في الشرق الأوسط"، فيما رأت صحيفة لوفيغارو الفرنسية إعلان الاتفاق بين الثلاثة "قفزة إلى المجهول".

آخر القول: الرابح (إسرائيل)، والخاسر الأكبر دولة الإمارات بقيادة محمد بن زايد. والحملة من أجل تفريج أزمات الثلاثة، بن زايد ونتنياهو وترامب، ليتمكّن الثاني من تجاوز أزماته، وعساها تتوقف ملاحقاته قضائيا، ولكي يحظى ترامب برضى أكبر من اللوبي الإسرائيلي في أميركا، ما قد يساعده على الفوز في الانتخابات الرئاسية. أما محمد بن زايد فقد يذهب إلى واشنطن، ليوقع الاتفاق أمام الخلق في البيت الأبيض، بعد أن اطمأن إلى عدم شكايته قضائيا في أميركا. يشكل هذا الاتفاق أكبر وصمة عار في تاريخ حكم آل نهيان.

المصدر / العربي الجديد