فلسطين أون لاين

عائد إلى حيفا.. وأم هارون

 

 

 

في مشهد من رواية عائد إلى حيفا للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني يروي كيف حرمت الأم الفلسطينية صفية وزوجها الدكتور سعيد، من ابنهما خلدون الرضيع الذي حيل بينهما وبينه خلال نكبة عام 1948 التي حلت بالشعب الفلسطيني، لتتمكن العائلة من زيارة المدينة بعد هزيمة 67، لتجد ابنها قد استولت عليه عائلة يهودية وسمته دوف، فتفقد العائلة الوطن والولد اللذين عاشت من أجلهما، وهنا تتجسد المأساة الإنسانية للفلسطينيين في أوضح صورها في مواجهة أبشع صور الحقد الإنساني الذي يمثله الاحتلال الصهيوني.

وربما يمثل هذا المشهد من الرواية شيئًا من المظلمة التاريخية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني إلى جانب مئات من الروايات التي تحكي حكاية الشعب المشرد والوطن السليب، ولذلك مثلت النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948 جرحًا غائرًا في الوجدان والوعي العربي، ومنذ ذلك الحين وقضية فلسطين هي القضية المركزية للعرب والمسلمين، بل هي قضية الأحرار والشرفاء في كل أنحاء العالم، وربما تكاد أن تكون هي القضية الوحيدة التي تشكل حضورًا دائمًا في الوعي العام لمختلف الشعوب على اختلاف ثقافاتها وأديانها.. فقضية فلسطين يعرفها سكان أقاصي الأرض كما يعرفها سكان مشارقها ومغاربها، قد لا يعرفونها بتفاصيلها ولكنهم يعرفونها كأيقونة القضايا العالمية التي تدور حولها أحداث السياسة والجغرافيا والتاريخ، فلم تحظَ قضية بعدد من القرارات الأممية كما حظيت القضية الفلسطينية، ولم تحظَ قضية بكتابات الشعراء والأدباء كما حظيت قضية فلسطين، ففلسطين قبلة المثقفين والسياسيين ورجال الصحافة الإعلام.

لها غنى عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم وفيروز ومرسيل خليفة.. ولها كتب نزار قباني وطوقان والأبنودي وأمل دنقل وإبراهيم خليل إبراهيم، وابراهيم ناجي ومحمد نجم وغيرهم.

وخُلدت فلسطين في أعمال درامية ومسرحية لا تكاد تحويها قائمة، ولذلك مثلت فلسطين وجدان العرب والمسلمين والأحرار في العالم.

فلا بأس على فلسطين بعد ذلك ولا خوف عليها، وما مثل تلك اللعاعات التي تخرج من آن لآخر لتشذ عن هذا الهوى الجارف لفلسطين كمسلسل أم هارون أو مخرج 7، ما مثلها إلا كمثل الذي يطاول الجبل الأشم ببيت من قش، ولو مر بنا الزمان لبعض وقته لن يبقى في ذاكرة العرب من هذه السفالات شيئًا مذكورًا، ولكن ستبقى أعمال خالدة لا يندثر ذكرها، كالتغريبة الفلسطينية وعائد إلى حيفا والطريق إلى إيلات وكفر قاسم والاجتياح والروح والفدائي ويحيى عياش وعز الدين القسام.

والأعمال تأخذ مكانها عن جدارة فمنها ما يُحفظ في القلوب ومنها ما تدوسه النعال.