محاولة لفهم مواقف حماس من إيران

عندما تمشي نحو هدفٍ ما تحت الشمس الحارقة وحولك الجروف وأمامك العقبات الصخرية في طريق وعرة صاعدة فإنك ستقعد في الطريق وتنحني وستقف وترقد وتقفز وتعود وتلتفّ وتصرخ وتصمت وتأكل وتصوم.. لكن عينك على الهدف الأعلى ومسارك يتحرك نحوه في مؤشر صاعد رغم هذه الأحوال التي تمرّ بك.

ربما تنظر هذه الحركة إلى نفسها بهذه الطريقة، وأي متفرّج من البعد يمكنه توجيه النظر والانتقاد لأحوالها المختلفة لكن النقد المؤسَّس هو الذي ينظر إلى الهدف وطبيعة الطريق وظروف العبور وقدرة العابر معاً دون تفريق وفرزٍ.

هناك نفر ثلاثة في التشنيع على حماس في موقفها من إيران:

1. نفر تعرضوا لأذى إيران في سوريا والعراق واليمن، ولديهم ثارات دموية معها.

2. ونفر تأثروا بالتحريض الطائفي الانفعاليّ أو المسيس على الشيعة بغرض محاربة إيران الدولة التي تمثل هذا المذهب المخالف.

3. ونفر ثالث تعايشوا مع هؤلاء وهؤلاء، وتأثروا بهم، وتبنوا آراءهم نتيجة طول الرفقة وشدة الاحتكاك.

لا تجد حماس نفسها مذنبة أو مدانة إزاء ذلك:

• فهي لم تكن جزءاً من الحرب في سوريا واليمن والعراق، ونأت بنفسها تماماً، ونالت أذى كثيرا جراء موقفها من سفك الدماء والقهر السياسي والأمني.

• ولم تكن جزءا من أي تشيع ديني أو سياسي، وهي معروفة بشدة اتباعها لمذهبها السني ورفض أي محاولة لاختراق الشعب الفلسطيني بأي فلسفة مذهبية وافدة.

سياسيًّا:

1. يبدو أن حماس حسمت خيارها بالاصطفاف الإستراتيجي مع من يؤمن بحقها في تحرير فلسطين وبنمطها الكفاحيّ المقاتل، وأن تنفتح عليه سياسيًّا دون تحفظات أو تخوفات من ردود فعل المحور الآخر الذي قلب الطاولة عليها دون مبرر.

2. حماس حركة تحررية مقاومة بالأساس، وهي متهمة بالإرهاب، وحدود حركتها العامة محدودة، وهي تسير عكس التيار السائد في المحيط العربي المستسلم للإدارة الأمريكية وغير الراغب في دعم أي عمل مقاوم في فلسطين، وبالتالي فإن انحيازها سيكون لمن يكون معها في الميدان ويقدم لها السلاح والدعم وليس من يفرض عليها الشروط ويجرها إلى مربعه الذي لا يقترب من رؤية التحرير.

3. كانت إيران وحلفاؤها داعمين على الدوام لحماس سياسياً وعسكرياً وإعلامياً، وسقفها السياسي لا يقل ارتفاعاً عن سقف حماس، وبقي الخط الإيراني الداعم ثابتاً في مبادئه متردداً في مستواه رغم الافتراق الحاد في الملف السوري، ولم يكن الدعم مقصوراً على حماس بل على جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني.

4. في المقابل توقعت حماس أن تجد لدى المحور الآخر المعادي لإيران تفهّماً واقترابا لاسيما أن هناك علائق سابقة طيبة وتعاملات إيجابية ومودة قديمة ومعرفة بحقيقة التوجهات، لكن هذا المحور ابتعد كثيراً جداً عن كل ما يتعلق بالمقاومة في فلسطين، وانقلب على حماس دون أي مبرر يتعلق بتغير سلوك حماس أو سياستها حتى وصل إلى اتهامها بالإرهاب واعتقال قيادتها وتصفية أعمالها في قطيعة كاملة بقيت حماس تحاول تفكيكها وإخفاء حدوثها دون أي فائدة أو تجاوب.

5. كانت سياسة مراعاة المحور الآخر حاضرة دائما في سياسة حماس مما أثّر كثيرا على أدائها الإقليمي، وأضعفَ حضورها في قضايا تعنيها بإلحاح ومباشرة، وحجّم مبادرتها وأخّر تقوية منهاجها المقاتل.

6. العلاقة المفتوحة مع إيران تعني الآن لدى فصائل المقاومة: التعامل مع حليف قوي ثابت في مواقفه ويمكن التقاطع معه في الملف الفلسطيني المشترك دون دفع أثمان سياسية أو دينية.

7. والعلاقة مع إيران تعني الاصطفاف إلى جبهة الرفض لوجود الكيان الصهيوني بالأساس، وسياسات الحليف الأمريكي المتماهية مع الكيان، وهو المكان الطبيعي اللائق بسياسة الحركة ومواقفها ومبادئها السياسية.

8. بعد القرارات الأمريكية الأخيرة في موضوع القدس والجولان، تأكد لها بما لا يدع مجالا للشك ان الارتباط بالمحور الأمريكي في المنطقة يعني نهاية مشروع التحرير بل هو نهاية لمشروع التسوية السياسية الذي تتبناه السلطة الفلسطينية أيضا؛ حيث لم يستطع هذا المحور مواجهة الصلف الأمريكي ولا حتى تمرير مبادرة السلام العربية.

9. اقتراب حماس من إيران محسوب بحسابات استراتيجية وليس خصما على أي علاقة مع أي من مكونات الأمة على قاعدة الاتفاق معها في فلسطين والافتراق عنها في ميادين عملياتها الأخرى.

10. هذا لا يعني أن إيران تعطي حماس شيكات مفتوحة، بل ثمة الكثير من الإشكالات والتعقيدات في نمط العلاقة، لكن جوهر التفاهم هو الالتقاء في مربع المقاومة من خلال الإسناد حتى إن لم تشارك إيران في ميدان المعركة المباشر فيكفي منها الدعم السياسي والفني الذي لا يقدمه الآخرون.

11. ما زال لدى إيران تحفظات على حماس وتخوفات منها لكونها حركة غير شيعية ولديها مؤسسات قوية تمنعها من الانزلاق نحو الارتهان، كما أن لها تجربة سابقة معها في الملف السوري وفي تأييد عاصفة الحزم في إعلانها الأول لإسناد الشرعية في اليمن؛ ولديها سابقة جريئة في التعزية بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي رغم حساسية العلاقة مع النظام المصري الجديد ؛ ولكن يُحسب لإيران أنها لم تسع للسيطرة على حماس، أو اختراق قيادتها أو إكراهها على موقف لا تتبناه.

12. هذه السياسة التي اتخذتها حماس تشمل كل دولة، إذ لا تتدخل حماس في علاقات الدول وخصوصياتها حتى تلك التي ترفضها حماس، فلا تتدخل مثلا في شؤون مصر ولا روسيا ولا السعودية ولا الأردن ولا الإمارات ولا الجزائر ولا المغرب ولا اليمن ولا ليبيا ولا أفغانستان... رغم أن هناك الكثير من التقاطعات والاختلافات والإشكالات والمشتركات معها.

13. مقاربة حماس مقاربة جريئة وصادمة لمن يتعامل معها بميزان أخلاقيّ حساس ولا يتناوله بميزان السياسة المرن.

14. وسلوك حماس الجريء يجعلها أكثر انسجاما مع ظروفها وعوامل القوة والضعف فيها وكونها حركة ثورية تحررية ليس لديها ترف العمل السياسي والشعبيّ القليل الكلفة في المعارضات السياسية العادية، ولا ترى في مستوى اللغة أو الأداء الميداني لتطوير العلاقة ما يضر بفلسفتها ومبادئها، كما لم تعد ترى في إعلانات تأييدها أو مجاملات دعمها فائدة إذا لم تترجم العواطف التضامنية إلى مواقف عملية أو تأتي في سياق سياسي مفيد.

15. تبقى لغة الخطاب والمجاملة السياسية والسلوك الإعلاني - إنشاءً أو ارتجالاً - شأناً عاماً قابلاً للنقاش والنقد الحيويّ ، وهذا النقاش يدور داخل حماس أكثر مما يدور خارجها في محاولةٍ لضبط حدود المعاملة وإبقائها ضمن السياق السياسي الدقيق لا سيما أن مواقف إيران لا تحظى بشعبية أو تفهّم في قضايا الافتراق.

16. تتفهّم حماس غضب المتأثرين من مستوى علاقتها اللفظية أو السلوكية العامة بإيران، وتعول على فهم النخب القيادية لأدائها في السياق السياسي ولا تتدخل في مستوى التعبير عن إدانة إيران من قبل حلفائها.

17. ومن الواضح أن حماس حسمت خيارها باتجاه رسم التحالفات الواضحة في خطوط الاتفاق المعلومة مع ثبات استقلالها عنها في خطوط الافتراق المحسومة.

18. ولا تقدم حماس أي دعم أو مساندة لإيران في أي من مناطق الافتراق وليس ذلك واردا عندها.

19. وهذا السلوك السياسي في نظر حماس لا يغطي خطيئة أحد ولا يبرر جريمته في أماكن الافتراق ولا يبرر له سلوكه بأي حال، وهو سلوك سياسي تتعاطاه النخب والقيادات في كل دهر بفهم منقول مأثور يؤيده العقل والنقل وتجارب التاريخ الإنسانية.

20. شبيه بهذا الموقف مع إيران الموقف من مصر بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي؛ حيث عانى قطاع غزة مرارة حصار قاسٍ في اتهامات لم تفعلها حماس... ومع ذلك فقد استمرت حماس في لغة تصالحية مع نظام السيسي وبواقعية شديدة ولغة محترمة موزونة ومجاملة واضحة حتى فُكّ الحصار قليلاً وفتح المعبر بانتظام، وعولجت بعض القضايا العالقة.

21. وهذه السياسة في العموم تحظى بتفهّم دول صديقة لحماس ذات وزن إقليمي وقوى سياسية ودينية عريقة ذات توجّه معتدل، وهي مرتاحة لوجود ظهر قوي معها يعينها على تجاوز التضييق الدائم عليها، وتنظر لحماس أنها تجاوزت مرحلة المراهقة العاطفية التي أضرت بثورات كثيرة ذات أحقية وعدالة.

22. وتحاول حماس أن تكون وسيطاً مهماً ومؤثراً بين بعض القوى المعادية لإيران والدولة الإيرانية في محطات حساسة يجب فيها اللقاء بين الأعداء، رغم أن حماس كانت تفشل وما تزال في التوسط لدى إيران في قضايا تخصها لتعارضها مع السياسة الإيرانية في سوريا مثلاً.

23. ربما لم تنجح حماس على ما يبدو في إثبات فاعلية نظرية الأمة المساندة والحاضنة الطبيعية في أي محطة تاريخية دخلتها أو معركة عنيفة خاضتها، وكان الأداء العام لسلوك مفردات الأمة خاضعاً تماماً للجغرافيا السياسية وحدودها؛ بل كانت الأمة ضاغطة عليها جدًّا في بعض المراحل، وفرضت عليها مواقف ما تزال تدفع ثمنها لظنها أن ذلك السلوك لا يمكن تفهّمه حينها.

24. ومن هنا باتت حماس تتفهّم السياسات الخاصة لأي حركة ثورية وطنية في المحيط العربي والإسلامي ما دامت تعينها على رفع الضيق والحرج عنها، ولا تتدخل في مجالها السياسي الحيوي الذي تراه مناسباً لها لتحقيق غاياتها العادلة.

المصدر / فلسطين أون لاين