فلسطين أون لاين

لماذا يتخوّف بعض من جلب الفرح "حزنًا"؟

...
غزة/ صفاء عاشور:

كثيرة هي العادات التي تلازم الناس في حياتهم ويؤمنون بها تلقائيّاً دون بحث ما وراءها، ومن تلك العادات هي "الخوف من الفرح"، فكم مررنا بأحداث وجلسات فرح وسعادة، وكان بعض يختمها بعبارة: "الله يستر ما يجي بعد الفرح نكد"!

فالخوف من الفرح أمر مرتبط ببعض الناس الذين إنْ جاء الفرح إليهم تعاملوا معه بأدنى الدرجات من السعادة دون المبالغة أو إظهاره، لتكون حياتهم رمادية يغلب عليها طابع الحزن، وإن لم يكن هناك سبب له.

صابرين عويضة أم لثلاثة أطفال، آخرهم رضيع لم يتجاوز من عمره العام، لا تتوقف عن اللعب معه وسماع ضحكاته التي تملأ البيت مرحاً وسروراً، لكنها غالباً ما تجد من يطالبها بوقف اللعب مع طفلها وإضحاكه.

تقول صابرين في دردشة مع صحيفة "فلسطين": "حماتي امرأة كبيرة في السن ودائماً ما تنتقدني إذا وجدتني ألعب مع طفلي، معللة السبب بأن أمراً سيئاً سيحدث في العائلة بعد حالة الفرح التي تسود أجواء المنزل".

"وفي كثير من الأحيان –تتابع حديثها- أتوقف عن اللعب مع ابني إرضاء لها، ولكني لا أستطيع معرفة لماذا تربط بين كثرة الفرح وحصول كارثة في المنزل بعده"، وتلفت إلى أنها أصبحت تتجه للعب مع طفلها بمعزل عن الآخرين حتى لا تحرمه هذه المشاعر.

وفي قصة أخرى، توضح أم محمد عابد أنها تحب جمع العائلة لديها في المنزل، أو بنزهة خارجه، لكنها تعتقد أنه لابد أن تقع مشكلة أو مصيبة بعد كل مشوار مع عائلتها، قائلة: "إنه لا يمكن أن تكتمل جمعة للعائلة إلا بحدوث مشكلة".

وتذكر في حديث مع صحيفة "فلسطين" أن المشاكل قد تكون بسيطة أو كبيرة، لكنها تترك أثراً سلبيًّا على المجتمعين الذين ينسون ساعات الفرح، ويتذكرون فقط المشكلة التي تطغى على أي أجواء أخرى.

 

الاختصاصي النفسي والتربوي إيهاب العجرمي يؤكد من جهته أن معتقدات مجتمعية هي وراء ربط الفرح والسعادة أو الابتسام المتواصل بحدوث مشكلة أو مصيبة لصاحبها، لافتاً إلى أن هذا المعتقد موجود لدى كثير من الفلسطينيين أكثر من غيرهم من الشعوب.

ويقول العجرمي لصحيفة "فلسطين": "إن الأمر يعود لحالة القلق المستمر التي يعيش فيها أبناء الشعب الفلسطيني، بسبب وقوعهم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يمثل مصدر قلق مستمر للكبار، ورعب للصغار على المستويات كافة".

ويضيف: "إن القلق يسيطر على الحياة اليومية لكثير من الفلسطينيين، وأي أجواء من الفرح يمكن أن يعيشوها يقابلها فرصة كبيرة لحدوث مشاكل أو أحداث صعبة وحزينة، من وجهة نظرهم".

ويبين أن الشعب الفلسطيني منذ عشرينيات القرن الماضي يواجه كوارث وعدوانات مستمرة وأزمات انعكست على الجانب الاقتصادي، والاجتماعي، والنفسي، وأي فرصة للفرح يقابلها فرص مضاعفة لحدوث مشاكل وأزمات وكوارث أيضاً.

وينبه العجرمي إلى أن الحالة العامة التي يعيشها المجتمع، خاصة كبار السن الذين واجهوا الكثير من التجارب المؤلمة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، تركت لديهم انطباعًا بأن أي فرصة من الفرح سيليها حزن ومشاكل.

ويذكر أن بعض الناس لديهم اعتقاد داخلي بأنه بعد السعادة سيكون هناك حزن، وهذا عبارة عن شعور يتزايد عند الشخص الذي يعاني اضطرابًا يؤثر في حياته اليومية.

لكنه يتابع: "يجب أن نعيش فرحنا بكامل تفاصيله، والاستمتاع به إلى أقصى الحدود".

ووفق حديث العجرمي، إن عيش السعادة والفرحة سينعكس على مشاعرنا وسلوكياتنا، فتؤثر إيجابيّاً في صحتنا النفسية والجسدية، مؤكداً أهمية تغيير هذه المعتقدات نحو الفرحة، خاصة عند الأبناء حتى يغيروا حياتهم بعد ذلك.

ويخلص إلى أهمية تعليم أنفسنا وأبنائنا أن فكرة السعادة والحزن كلها لحظات يمر بها الإنسان في حياته، وباستطاعته أن يعيش الفرح بكامله، وتجنب الحزن بنسيان تفاصيله، مع تأكيد ضرورة عدم الربط بين الحزن والفرح، كما هو سائد الآن عند بعض.