أكد محللون سياسيون أن ارتباط بعض قادة السلطة الفلسطينية بشبكة من المصالح مع الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية تمنعهم من اتخاذ قرار أو إجراء يمكن أن يسهم في وقف تغول الاحتلال على المواطنين في الضفة الغربية ومدينة القدس.
وذكر المحللون أن الاحتلال ومن خلفه الإدارة الأمريكية نجحا في خلق هوية وظيفية للسلطة تتلخص في حماية أمن الاحتلال وضمان عدم تصاعد المقاومة، مشيرين إلى أن هذا الاستنتاج المؤسف تعضده تصرفات السلطة في الضفة واستمرار معاقبة قطاع غزة ماليا وسياسيا.
وسادت حالة من السخرية الممزوجة بالحزن على وسائل التواصل الاجتماعي مع اقتحام قوات الاحتلال، مطعم "ورد" في منطقة عين عرب وسط مدينة الخليل، نهاية الأسبوع الماضي من أجل شراء صحن من "الكنافة" كما ذكر النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأثارت عملية الاقتحام حالة من الخوف والهلع في صفوف رواد المطعم، لا سيما الأطفال منهم، كما عرقلت حركة السير في المنطقة، في حين لم تحرك الأجهزة الأمنية الفلسطينية ساكنًا.
في هذا الإطار يؤكد المحلل السياسي د. عبد الستار قاسم، أن السلطة ارتضت بهذه الوظيفة الأمنية منذ أن وقعت على اتفاق اوسلو والذي شكل استمرارا لضمان ضعف الموقف الفلسطيني ومنع مراكمة أي نوع من أنواع القوة.
وذكر في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن السلطة تخضع لمعادلة قوة فرضها الاحتلال وهي لا تستطيع تجاوزها حتى وإن أرادت ذلك على وجه الافتراض، منبهًا إلى أنه كان يتوجب على السلطة أن تتوقع قدوم لحظات ضعفها وقلة حيلتها عبر تقييدها بقيود الاتفاقات السياسية والالتزامات الأمنية الوظيفية.
ولفت قاسم إلى أن السلطة بدلا من الاستماع لصوت العقل والمنطق بالذهاب لبناء مشروع فلسطيني يرتكز على حماية الحقوق والثوابت، فإنها تلجأ للتعسف الأمني مع معارضيها وتُجَيِر إعلامها وأزلامها للنيل منهم وإخراجهم عن الصف الوطني.
وأوضح أن التعامل الذي يجري بين أطراف متنفذة من السلطة مع الاحتلال محكوم لجملة من المصالح التي تربط كبار رجال السلطة مع الاحتلال والادارة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الاحتلال نجح في توريطهم عبر مناصب وهمية كانت فخا لمن تقلدها بحيث لا يستطيع أن يأخذ قرار وطنيا يخدم المصالح الفلسطينية من ناحية ويمس بمصالح الاحتلال من الناحية المقابلة.
وشدد قاسم على أنه كان ينبغي على السلطة إذا لم تستطع أن تبني نظاما سياسيا أو وطنيا طوال السنوات السابقة، أن تقوم في أضعف إيمانها الوطني ببناء نظام اقتصادي تستطيع الاعتماد عليه إن أحوجتها الظروف لذلك أو ضيق الاحتلال عليها.
وقال: "أما وإنه وقد ظهر ضعف السلطة وعوارها فيجب على الجمهور الفلسطيني أن يأخذ زمام المبادرة لنفسه وأن يكون مبدعا في مجال مقاومة الاحتلال وحماية نفسه"، مشيرًا إلى أن ذلك ينعقد فقط بالخروج من عباءة الخوف من السلطة؟
وأضاف: "أقصى ما تستطيع السلطة فعله هو التعسف الأمني والذي سيكون أسوأ درجاته السجن الذي لن يدوم إلى الأبد".
السلطة صوت بلا فعل
من جهته، أكد عضو لجنة الدفاع عن أراضي وعقارات سلوان في القدس المحتلة، فخري أبو دياب، أن القدس هي أكثر المناطق الفلسطينية التي عانت من ضعف وتردي الموقف الفلسطيني الرسمي في كل النواحي المعيشية والسياسية.
وذكر في حديث لصحيفة "فلسطين"، أنه في مقابل الضعف الفلسطيني فإن الاحتلال يضع كل إمكانيته المادية وقضائه وشرطته وجيشه من أجل دعم المشروع الصهيوني التهويدي على الأرض وتقويض الوجود الفلسطيني.
وعبر أبو دياب عن أسفه لغياب الدعم الذي يجب أن توليه السلطة للمقدسيين، موضحا أنه لا يتجاوز موضة إعلاء الصوت وإجهاد الحناجر بالمهرجات الخطابية، لكنها على الأرض تركت أهل القدس وحدهم في معركتهم مع الاحتلال.
ولفت إلى أن أحد أهم أوجه التقصير هي إحجام السلطة عن العمل بشكل جدي لمحاسبة مسربي العقارات المقدسية بل تركتهم يغادرون الأراضي الفلسطينية ويعيشون حاليا في الدول الغربية بكل حرية وأمان.
وشدد على أنه لو كان الموقف الرسمي الفلسطيني مغايرا لذلك لما وصلت القدس إلى هذه الحالة الصعبة من عدوان الاحتلال ومستوطنيه.
ورأى أبو دياب أن السلطة لا تمتلك أية أدوات للوقوف في وجه الاحتلال بعدما كبلت نفسها بقيود الاتفاقات السياسية التي تصب في مصلحة الاحتلال وضد الثوابت والحقوق الفلسطينية.
أوراق القوة مفقودة
بدوره، أكد المحلل السياسي محمد حمادة، أن السلطة تأتي دائما متأخرة في كل مواقفها، كما لا تمتلك أوراق قوة حقيقية تشهرها في وجه الاحتلال، "بل إنها تحارب من يحاول أن يصنع شيئا يواجه به الاحتلال في الضفة والقدس".
ولفت في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أنه كان على السلطة-عندما تيقنت بضعف موقفها وخاصة في التطورات الأخيرة المرتبطة بصفقة القرن- الالتفات إلى الحاضنة الشعبية وإنجاز المصالحة مع حركة حماس لتقوي الموقف الفلسطيني الجمعي.
وأوضح حمادة أن لدى السلطة وظيفة أمنية ميدانية تقوم على خدمة الاحتلال، سواء قبلت بهذه الوظيفة أم لم تقبل "بل إن هذا الدور المشبوه أصبح هوية تعبر عن حقيقة السلوك اليومي لأجهزتها الأمنية وخلاصة مواقفها السياسية مع باقي مكونات الشعب الفلسطيني".
وذهب إلى القول: "على الرغم من أن الوقت لن يفت حتى اللحظة من أجل أن تغير السلطة جلدها السياسي وتخلع عباءة التبعية للاحتلال، إلا أن المؤشرات كافة لا تشير لوجود نية لدى السلطة للقيام بخطوات تعيد لها مكانتها شعبيا وسياسيا ووطنيا".
واستدل حمادة على ذلك بمشاركة رجال أعمال محسوبين على السلطة في مؤتمر البحرين، مشيرا إلى أنه برغم مواقفها الإعلامية القوية ضد المؤتمر إلا أنها لم تتخذ أي إجراء ضد الذين شاركوا فيه، واستمرت في المقابل بفرض العقوبات المالية والسياسة ضد قطاع غزة الذي يسير على غير الهوي الأمريكي الإسرائيلي.

