رأى مراقبان سياسيان، أن اعتذار رئيس السلطة محمود عباس، عن تصريحات بشأن اليهود ووصفه للمحرقة بأنها "أشنع جريمة في التاريخ"، يخدم وجود (إسرائيل) في المنطقة بعد ما اكتسبت تعاطفًا غربيًا ودوليًا لصالحها.
وقال المراقبان في حديثين منفصلين لصحيفة "فلسطين"، إن تصريحات عباس تصبّ في صالح الاحتلال الإسرائيلي تمامًا.
وكان عباس اعتذر، أول من أمس، لليهود في العالم عن خطابه الذي ألقاه خلال الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني في مدينة رام الله، الإثنين الماضي، الذي اعتبره الاحتلال الإسرائيلي وفرنسا وبريطانيا معاديًا للسامية.
وقال عباس في رسالة الاعتذار، التي نشرتها دائرة شؤون المفاوضات: "إذا شعر الناس بالإهانة من خلال بياني أمام المجلس الوطني الفلسطيني، وخاصة من أتباع الديانة اليهودية، فأنا أعتذر لهم".
وأضاف: "أودّ أيضًا أن أكرر إدانتنا التي طال أمدها للهولوكوست، بوصفها أشنع جريمة في التاريخ، وأن أعرب عن تعاطفنا مع ضحاياها"، وتابع: "وبالمثل، ندين معاداة السامية بجميع أشكالها، ونؤكد التزامنا بحل الدولتين، والعيش جنبًا إلى جنب في سلام وأمن".
مصلحة إسرائيلية
وقال المختص في الشأن الإسرائيلي د. إبراهيم أبو جابر: دبلوماسيًا كان يفترض أن يبتعد رئيس السلطة، عن الحديث في هذا الموضوع أصلاً خاصة خلال اجتماع أعلى مؤسسة لمنظمة التحرير (جلسات المجلس الوطني).
وأضاف أبو جابر أن موضوع "المحرقة" حرك جميع الأوساط الدولية والإنسانية الموجودة في أوروبا التي تتعاطف مع اليهود بعد أن استخدموا ورقة المحرقة وروايتهم سنوات طويلة ضد القضية الفلسطينية ولصالح الوجود الإسرائيلي في المنطقة.
وتابع: "لقد بات الاعتذار مأخذ عليه من قِبل الفلسطينيين وجميع الأطراف المتضامنة مع القضية الفلسطينية، وأدى إلى إضعاف مخرجات المجلس الوطني".
وعدّ المختص في الشأن الإسرائيلي، أن ذلك في "صالح (إسرائيل) وانتصار كبير لها، ومضرة للرواية والخطاب الفلسطينيين".
ولفت إلى أنه كان يفترض إدانة انتهاكات واعتداءات جنود الاحتلال على المتظاهرين السلميين في شرق غزة، وأن يتناغم تمامًا مع واقع الشعب الفلسطيني، وضد الإجراءات الإسرائيلية القمعية بالذات قرب السياج الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة سنة 48.
لكنه رأى أن ذلك يرتبط بالمناكفات السياسية التي أثرت على مجريات عقد المجلس الوطني في رام الله، وألقى ذلك بظلاله على الكلمات والخطابات التي ألقيت في المؤتمر.
ورأى أبو جابر أن مليون اعتذار لن يرضي الحكومية اليمينية الإسرائيلية. فهي تعمل ليلاً ونهارًا على القضاء على القضية الفلسطينية، والاعتذار بالنسبة لهم هدف في الملعب الفلسطيني، ولن يؤثر في روايتهم "الصهيونية".
وكان وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، رفض اعتذار عباس. وكتب على موقع "تويتر": "أبو مازن (عباس) ناكر بائس للمحرقة أعد رسالة دكتوراة عن إنكار المحرقة ونشر لاحقًا كتابًا عن إنكار المحرقة. هذه الطريقة التي يجب معاملته بها. اعتذاراته غير مقبولة".
من جهته، رأى المحلل السياسي راسم عبيدات، أن رفض ليبرمان لاعتذار عباس يحتم على الأخير عدم تقديم الاعتذار عن تصريحاته التي أدلى بها خلال المجلس الوطني.
وأضاف عبيدات: إن كان اليهود تعرضوا للهولوكوست، فإن الشعب الفلسطيني أيضًا يتعرض للمحرقة على يد الاحتلال. وإن تعرض اليهود للاضطهاد على يد الأوروبيين فهذا ليس مبررًا لاضطهاد الشعب الفلسطيني وممارسة التطهير العرقي بحقه.
وتابع: إن كان عباس سيتعذر عن تصريحاته كان عليه ألا يدلي بها أصلاً، وأعتقد أن ضغوطات مورست عليه للتراجع عنها ضمن تنفيذ مخطط سياسي شمل إخراج أربع قرى من مدينة القدس، واختصارها عاصمة للدولة الفلسطينية التي يريدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفقًا لـما يسمى "صفقة القرن".
وبشأن الرفض الإسرائيلي لاعتذار عباس، قال عبيدات: إن هذا "يدل على صلف وعنجهية الاحتلال الإسرائيلي. ولو تمسكت القيادة الفلسطينية بموقفها السياسي وامتلكت الإرادة المناسبة لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه".
و"الهولوكوست"، مصطلح استُخدم لوصف الحملات من قبل حكومة ألمانيا النازية وبعض حلفائها لغرض الاضطهاد والتصفية العرقية ليهود في أوروبا، إبان الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، حسب ما تقوله (إسرائيل)، التي حصلت لاحقًا على تعويضات ضخمة من دول أوروبية على خلفية ذلك.

