تناقض كبير بين عنوان "اجتماع واشنطن" الذي عقد الثلاثاء الماضي، بدعوة من البيت الأبيض وبمشاركة الاحتلال الإسرائيلي ودول عربية، لمناقشة "الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة"، وبين الدور الحقيقي والظاهر للولايات المتحدة الضالعة في إعداد خطة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية، وفق ما يرى مراقبين فلسطينيين وعرب.
وأوضح هؤلاء في أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين"، أن الاجتماع يثير الريبة من حيث المضمون والأطراف المشاركة والتوقيت، رغم أن مبرراته تذهب باتجاه تخفيف المعاناة الإنسانية في غزة.
وعقد صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه، جاريد كوشنر، اجتماعا في واشنطن، بعنوان "الأزمة الإنسانية في غزة"، بمشاركة ممثلين عن 20 دولة ومن بينهمالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاحتلال الإسرائيلي ودول عربية، فيما رفضت السلطة المشاركة.
وقال البيت الأبيض، في بيان أصدره أول أمس، إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تعتقد بأنه يجب التدخل سريعاً لإيجاد حل للوضع الإنساني والاقتصادي، الذي يزداد سوءاً في قطاع غزة.
سياسية متماهية
ورأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت برام الله، جهاد حرب، أن الاجتماع جزء من السياسة الأمريكية المتماهية مع حكومة الاحتلال، وهي تنظر إلى قطاع غزة باعتباره مسألة انسانية دون النظر إلى المسألة السياسية وهو الاحتلال، ومحاولة لإظهار أن هناك اهتمامات أمريكية بالفلسطينيين.
وقال حرب لصحيفة "فلسطين: "إن الاجتماع الذي صبغ بقالب إنساني محاولة لتمرير أهداف سياسية، بالطلب من حماس تسليم السلطة ونزع السلاح، بالتالي ستكون القضية الفلسطينية هي المستهدفة وكذلك حركة حماس، خاصة أن أمريكا تضع الحركة على لائحة الإرهاب".
ولفت إلى أن هناك شروط سياسية يتبناها هذا الاجتماع وفق أهواء ورغبات اليمين الإسرائيلي.
مبررات مشبوهة
من جهته، رأى رئيس تحرير جريدة السبيل الأردنية، عاطف الجولاني، أن الاجتماع يأتي في وقت اتجهت فيه الأطراف العربية المشاركة للتطبيع مع الاحتلال، ما يدفع للنظر بالكثير من الريبة لهذا الاجتماع.
وقال الجولاني لصحيفة "فلسطين": "إن كان الدافع الأساسي للاجتماع منطقي ومبرر بدعوى تخفيف المعاناة الإنسانية عن قطاع غزة، فإن حقيقته تذهب باتجاه تصفية القضية الفلسطينية".
وحول المستهدف الحقيقي من الاجتماع، يعتقد الجولاني، أن المستهدف بشكل عام هو القضية الفلسطينية، وخيار المقاومة التي تقوده حركة حماس، لافتًا إلى أن الاجتماع يحاول تطويع موقف القطاع وحركة حماس عبر بوابة إنسانية.
لكن ومع ذلك، وفق الجولاني، هناك حالة وعي لدى الفصائل الفلسطينية وأهالي قطاع غزة لكافة الأبعاد السياسية التي تحيط بهذه الخطوة، "ومؤكد أن الذين صبروا على الحصار والمعاناة بأشكالها المختلفة لا يقبلون رفع المعاناة مقابل الإضراربالحقوق الفلسطينية".
وأضاف: "حماس واضحة في مواقفها بأنها لن تمرر أي مشاريع تؤدي لتصفية القضية، رغم وجود اغراءات حتمية بخصوص الأوضاع الإنسانية، في ظل حالة المعاناة في غزة التي جزء أساسي منها استمرار الحصار والعقوبات المفروضة من السلطة على غزة والتي لم ترفع".
حق يراد به باطل
"المدخل الإنساني الذي دخلت منه أمريكا في التعامل مع ملف غزة في واجهته مقبول لدى الكثير من الناس بدعوى أنه سيعالج الكثير من الاحتياجات الإنسانية، لكن الأبعاد السياسية للاجتماع، هي جزء من مفاعيل تصفية القضية الفلسطينية لإنهاء حالة الصراع العربي - الإسرائيلي على اعتبار أن غزة جزء لا يتجزأ من محددات هذا المشروع، حسبما يرى المختص في الشؤون الدولية تيسير محيسن.
ويقول محيسن لصحيفة "فلسطين": "إن البعد الإنساني قد يلقى تعاونا من دول عربية من خلال عدد من التسهيلات قد تتم خلال المرحلة المقبلة، وربما ستحرص هذه الأطراف ألا يظهر هذا الدور كما أنه نوع من مقايضة المقال مقابل السياسية، خاصة وأنهم يعلمون أن حماس ضد المشروع وستقف حائلا دون انفاذه بالمنطقة".
ويرى أن المرحلة القادمة ستكشف حقيقة هذه الخطوة، حيث أن هناك عناوين غير معلنة خلال هذا الاجتماع، أولها إنهاء آخر عقبة في انقاذ ما تسمى بـ"صفقة القرن" وهي غزة ومقاومتها، ومحاصرة القرار الفلسطيني وابقاء حالة الانقسام قائمة من خلال التعامل مع جزء من الحالة الفلسطينية.
ولفت إلى أن عوامل إفشال أي مخرجات ضد غزة، تكون بمسارعة الحالة الفلسطينية الداخلية لإحداث حالة من التوحد بالموقف السياسي والابتعاد عن التمسك بالقضايا الثانوية، "وإلا فإن بقاء الانقسام خير وسيلة لتنفيذ الخطة".
إلا أن، المحلل السياسي، يعتقد أنه لا يوجد مؤشرات على أن هناك نية لدى السلطة في رام الله بالتوجه نحو الوحدة مما يغري الأطراف الدولية والإقليمية، لانتقال خطوات أوسع للأمام على أرض الواقع لتصفية القضية الفلسطينية.

