​في مستشفى الدرة.. حتى صورة الأشعة غير ممكنة!

...
وقفة تضامنية مع مستشفى الدرة نظمتها دائرة العمل النسائي بحركة حماس (تصوير / محمود أبو حصيرة )
غزة - يحيى اليعقوبي

اضطرت المواطنة حليمة منصور للانتظار في مستشفى الشهيد محمد الدرة من الساعة التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساءً إلى حين وصول التيار الكهربائي وتمكنت أخيرًا من إجراء صورة أشعة لطفلها البالغ من العمر عامًا ونصف العام.

"أسوأ يومين أمضيتهما في مستشفى الدرة منذ إنشائها".. بهذا تصف منصور لصحيفة "فلسطين" ما عاشته داخل المستشفى الذي أعلنت إدارته عن نفاد مخزون الوقود به قبل ثمانية أيام.

"ابني مش قادر يتنفس اعمله تبخيرة" تحدثت كذلك والدة الطفل مؤيد الريفي الذي يبلغ من العمر شهرين وهي تحمله بين ذراعيها بعد أن وصلت المستشفى في ساعات المساء تزامنًا مع قطع التيار الكهربائي.

أجابها أحد الممرضين: "من وين أجيب كهربا؟" إذ لم يملك سوى هذا الرد الذي يختصر واقع الحال. وبحرقة الأم على طفلها صرخت بوجه ذلك الممرض متسائلة "مستشفى فش فيها كهربا؟".

"خلي عباس نايم ومكيف وأطفالنا بتموت.. مش هدا حرام"، قالتها الريفي لصحيفة "فلسطين" متحسرة على واقع الحال، إذ إنها منذ يومين لم تستطع إجراء صورة أشعة لطفلها نتيجة انقطاع التيار الكهربائي.

الأطفال ضحايا

لا يختلف الحال لدى الطفلة لارا الحداد 3 سنوات ونصف السنة، والتي قرر الأطباء في مستشفى الدرة إجراء صورة أشعة لها منذ الخميس الماضي، وإلى اليوم تحاول والدتها الوصول للمستشفى بموعد وصل التيار الكهربائي إلا أن محاولاتها لم تنجح، مما دفعها للمبيت في المستشفى منذ يومين.

وتقول الوالدة لصحيفة "فلسطين": "المبيت داخل المستشفى سيئ، ننام في ظلام دامس حتى أننا لا نرى أطفالنا في الليل رغم حاجتهم لأجهزة الأكسجين (التبخيرة)".

حالة الرضيعة آلاء حمادة ذات العشرة أشهر ساءت كثيرا نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، والتي قدمت إلى المستشفى قبل ثمانية أيام، وتعلق والدتها في حديثها لصحيفة "فلسطين": "ساءت حالة ابنتي وأصيبت بمرض السحايا، وحتى اليوم لم نستطع التقاط صورة الأشعة".

المستشفى في الليل كاحل السواد بالنسبة لوالدة الطفلة حمادة خلال ساعات انقطاع التيار الكهربائي، حتى أنها لا تستطيع رؤية طفلها، كما تضيف.

والدة الطفلة نور الهدى عمارة صاحبة السنوات الست هي الأخرى لم تستطع أخذ صورة أشعة لطفلتها لمعرفة ما تعاني منه منذ عشرة أيام، الأمر الذي أدى إلى سوء حالة الطفلة.

ولم يعطل غياب التيار الكهربائي عمل الأقسام والأجهزة اللازمة فقط بل عطل كذلك دور الممرضين الذين يعتمدون بشكل كبير على تلك الأجهزة.

وتقول الممرضة مها الصفدي لصحيفة "فلسطين": "اضطرت المستشفى لدمج أقسام المبيت بقسم واحد، نعمل بشكل يدوي بدون أجهزة، لا نستطيع القيام بإجراء صورة أشعة للأطفال، ولا سحب عينات بالمختبر إلا بساعات وصل التيار الكهربائي".

وتضيف بمرارة: "هذا مستشفى وليس أي مكان آخر، كنا في السابق نتعامل مع 60 حالة يوميا في قسم المبيت لكن الآن الوضع سيئ".

ثماني غرف مبيت مخصصة كل غرفة لاستقبال أربع حالات فقط، إلا أن مستشفى الدرة اضطرت لدمج قسمي المبيت بقسم واحد، مما زاد عدد الأطفال المرضى بكل غرفة إلى تسع حالات.

مأساة انسانية

مدير المستشفى د. ماجد حمادة يقول: "إن مستشفى الدرة تستقبل من 150-180 حالة يوميا مصنفين إلى أربع فئات منهم من يتلقى العلاج ويغادر، ومنهم من يمكث بقسم الرعاية اليومية لمدة 24 ساعة، ومنهم من يدخل أقسام المبيت، فيما يتم ادخال الحالات الحرجة المعرضة للخطر لأقسام العناية المركزة"، مشيرا إلى أن المستشفى تضم 60 سريرا للمبيت.

ويضيف حمادة لصحيفة "فلسطين": "إن المستشفى تعمل بالحد الأدنى من طاقتها وإمكاناتها، وليس لديها طاقة بديلة إلا ما تنتجه الخلايا الشمسية البالغة 7 كليو واط يوميا، وهي كمية لا تلبي احتياجات المستشفى وتستخدم فقط للإنارة في ساعات النهار".

ويبين أن المستشفى تحاول تقديم خدمات الرعاية الأولية للمرضى الذين يأتون إليها، مستدركا: "لا نستطيع التنبؤ في حالة المريض القادم وفي أي ساعة سيأتي ونوع حالته".

وينبه إلى أن المستشفى أعلنت عن نفاد كمية الوقود لتشغيل المولد الكهربائي فيها منذ ثمانية أيام، والآن تعمل بدون تيار كهربائي إلا ما يأتي في ساعات وصل التيار من أربع إلى خمس ساعات، مؤكدا أن المستشفى تعيش في مأساة إنسانية.

ويشدد على أن صحة الأطفال ليس موضوع نقاش، وأنه يجب على كافة المسؤولين أن يتحملوا مسؤولياتهم، ويقوموا بتشغيل المستشفى الذي يفتح أبوابه أمام 100 ألف طفل من سكان المناطق الشرقية لمدينة غزة.

وقفة تضامن

في سياق متصل، نظمت دائرة العمل النسائي في حركة المقاومة الإسلامية حماس أمس، وقفة تضامنية مع مستشفى الدرة، رفعت خلالها المشاركات لا فتات تطالب بإنقاذ حياة أطفال غزة، وامداد المستشفى بالوقود.

وتساءلت الناشطة في الدائرة غادة العابد عن "الجرم الذي اقترفه أطفال غزة حتى يعانوا من نقص الأدوية وغياب الكهرباء، ولماذا يعاقب الطفل الفلسطيني بأن لا يجد ما يخفف آلامه أو حتى يسكن بعضا منها".

وأكدت أن حق العلاج هو حق لكل طفل، وأن حق العيش الكريم مكفول لكل انسان كذلك، "فأين حق العلاج لأبناء غزة؟" تساءلت.

وطالبت أحرار العالم والأمم المتحدة بأن تكون هناك وقفة حقيقة منهم لإنقاذ حياة الأطفال.