فلسطين أون لاين

صلاة لا بد وأن توحد أصحابها؟!

يحدث في السجون الإسرائيلية هذه الأيام أن يجتمع الأسرى لإقامة صلاة الجمعة.. قسمان متلاصقان يفصل بين ساحتيهما جدار إسمنتي شاهق، أقامته إدارة السجن ليجعل من المستحيل توحيد الصلاة، وهناك جدار أشد صلابة من هذا الجدار الإسمنتي الاحتلالي: ذلك أن قسما تابعا لحركة فتح والثاني لحركة حماس والمعروف أن بداية هذا الانقسام فرضها الاحتلال على الطرفين, وجعله من تداعيات الانقسام الخارجي رغم أن الأسرى كانوا موحدين، وهم أصحاب وثيقة الوفاق الوطني التي كادت أن تنهي الانقسام، إلا أن الانقسام أصبح واقع الحال، وانسحب ما خارج السجن على داخله.


أذن المؤذنان.. هذا يقول الله أكبر والثاني يقول الله أكبر.. نفس الحروف وتكاد تكون على نفس الجرس الموسيقي.. هذا الإله العظيم، الذي يعلن الطرفان في نفس الوقت أنه الأكبر، أكبر من السجن والسجان وأكبر من الفصائل والأحزاب وأكبر من كل الأفكار والمشاعر والمصالح والأوهام الضيقة وأكبر من كل دعاوى الانقسام. ويعلن الطرفان بأعلى الأصوات وأنداها بأنهما يشهدان على أن لا إله إلا الله.. فلا يمكن أن نخضع وندين إلا لهذا الإله العظيم.. هذا الإله الذي يريد لنا صلاة واحدة وجماعة واحدة، ونحن نؤكد بحالنا بأننا نخالف هذه الشهادة العالية ونصر على ذلك مع متابعتنا للشهادة الثانية بأن محمدا رسول الله، جاء بعقيدة التوحيد ونحن نصر على الفرقة والانقسام، يؤلف بين قلوبنا ويجعلنا أمة واحدة ونحن نؤكد عكس ذلك في هذا الجدار الذي نقيمه بيننا، ثم إن المؤذنين يشرعان بالدعوة إلى الصلاة والفلاح والنجاة من كل ما يضر بالفلاح، وحالنا يؤكد أننا نصر على عكس الفلاح ونقيم الجدار ولا يختلف اثنان على أن الانقسام لشعب يقع تحت الاحتلال ولأسرى في قبضة سجان يتعارض مع الفلاح الذي ينادي به المؤذنان.


ويخطب الخطيبان خطبتين يدعوان فيهما إلى تقوى الله ويؤكدان أن الانقسام يتناقض مع تقوى الله.. ويشرعان بعرض الآيات القرآنية والقيم السماوية، وقد يمران على ذات الآية "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، فيشرحان بأن التفرق والاختلاف والانقسام للذين آمنوا عاقبته عذاب عظيم.. ونرى بأم أعيننا عذاب الانقسام العظيم وويلات الاحتلال التي تتضاعف أضعافا مضاعفة ونحن منقسمون عما لو كنا موحدين.


كنت أستمع لخطيبنا وخطيبهم في نفس الوقت فلمست حماسة عند الخطيبين.. دعوة بحرقة وحب لأن نسمو بأرواحنا ونرتفع بينما الانقسام يرتكس بنا وينخفض.. وكان خاتمة الخطبة الدعاء الحار من الخطيبين أن يوحد كلمة المسلمين ويضرب الكافرين بالكافرين ويخرجنا من بينهم سالمين بينما في واقعنا: كلمتنا هي المتفرقة والمسلمون يضربون المسلمين ويخرج الكفار من بينهم سالمين..


وقام الأسرى للصلاة، لهم إمام ولنا إمام ويفصل بيننا جدار، قرأ إمامهم الفاتحة وقرأ إمامنا الفاتحة.. توجها لذات الرب، رب العالمين الذي من صفاته سبحانه أنه رحمن رحيم، والذي سيجمعنا أمام ميزان واحد يزن أعمالنا في يوم واحد هو يوم الدين، لن يكون لنا يوم ولهم يوم، أم أن ميزاننا يختلف عن ميزانهم.. والغريب أن الإمامين توجها بطلب واحد.. الإمامان يريدان الهداية وعلى ذات الصراط المستقيم، إلهي كيف ينقسم الفريقان وهما مصوبان على ذات الهدف؟!


ويعلن الإمامان أنهما ومن يقف خلفهما ينحازان إلى الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء ويتبرآن من المغضوب عليهم والضالين، الذين حادوا عن الصراط المستقيم سواء كان ذلك عن علم مثل المغضوب عليهم أم عن جهل مثل الضالين. فلا مجال بعد ذلك أن ننقسم عن علم بمخاطر الانقسام وويلاته أو عن جهل بهذه النكبة الجديدة التي أوقعناها على قضيتنا وشعبنا بأيدينا..


ومع هذا ينهي الإمامان مطالبهما وانحيازهما وما يتبرآن منه باتفاق كامل على هذه المسافة الشاسعة من الانسجام والاتفاق.. بينما في واقع الحال نصطدم بجدار الانقسام كما نرى جدار الاحتلال الذي يقسم بين القسمين.


وسمعت إمامهم يعلن الركوع بخضوع تام لذات الرب سبحانه والتحرر من كل من يريد إخضاعنا له من دونه.. وإمامنا يؤكد نفس الركوع ونفس التحرر.. وكذلك نسجد خلف إمامنا، وهم يسجدون خلف إمامهم لنتحرر ويتحررون من كل من يمارس علينا بطشه وقهره ويريدنا ساجدين لحكمه وسياساته التي تسيطر على فلسطيننا من البحر إلى النهر، بكل ما فيها من أرض وسماء وثروات وهواء ومياه، وكذلك من يعلن بجبروته القدس عاصمة لهم ويريد أن يصل إلى صفقة القرن التي يريد من ورائها تصفية القضية.. ومع هذا فإننا في واقعنا نصر على مخالفة صلاتنا بكل تفاصيلها وممارسة الانقسام ولا نتركها تصل إلى أهدافها التي تجعلنا صفا واحدا، ونحن في أمس الحاجة إلى هذا الصف الواحد في مواجهة هذا الصلف غير المسبوق.


الصلاة تدريب عملي على وحدة الصف والهدف والكلمة والمبدأ والروح والقضية، وهدم لكل أشكال التفرقة والانقسام.. هذا الانقسام الذي يشكل لعنة وجدارًا أعتى من جدر الاحتلال.. أعتقد أنه لا معنى لصلاة أحد منا إن لم تتمكن صلاتنا من هدم جدار الانقسام، فليحمل كل منا معولا وليضرب هذا الجدار خاصة من هم منا أصحاب القرار.