تمر الذكرى الـ109 على وعد بلفور بصمت فلسطيني وتجاهل عربي، وكأن الوعد الذي قطعه وزير خارجية بريطانيا في مثل هذا اليوم سنة 1917 لم يكن، ولم تُبنَ عليه كل القرارات الإجرامية اللاحقة، فالتنكر للأصل لا يعني إلا التنكر لكل الفروع المنبثقة من الأصل، وإذا كان الأصل الذي صدر عن بلفور فاسدًا وظالمًا وإرهابيًّا، فكل ما سيأتي بعد ذلك من قرارات دولية وإسرائيلية، بما في ذلك الاتفاقيات والمعاهدات لا تقل ظلماً وإرهاباً وعدوانية.
لقد جرت العادة أن يغضب العرب الفلسطينيون في ذكرى وعد بلفور، وجرت العادة قبل اتفاقية أوسلو أن يحلم العرب الفلسطينيون بوطنهم فلسطين الممتد من رأس الناقورة شمال فلسطين، وحتى رفح في الجنوب، وجرت العادة أن يخرج الفلسطينيون في مظاهرات استنكار للوعد، في رسالة تذكر العالم بأن فلسطين مغتصبة، وأن دولة العدو الإسرائيلي دولة مارقة، اغتصبت أرض فلسطين، وأقامت دولة يهودية على حساب ملايين العرب الفلسطينيين الذين صاروا لاجئين.
*ذكرى وعد بلفور ليست جدارية نقف أمامها لنسترجع الماضي، ولا بكائية نذرف معها الدموع. إحياء ذكرى وعد بلفور رسالة المظلومين إلى العالم الذي بدأ يفيق على الظلم الذي شارك فيه يوماً*، فهذه بريطانيا التي صدر عنها الوعد قد أفاقت من تبعيتها للكيان الصهيوني، وبدأ وزير خارجيتها الحالي يتحدث بلغة سياسية تتعارض مع لغة بلفور وزير خارجية بريطانيا سنة 1917، الذي قدم تعهداً إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية "ليونيل روتشيلد" بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
لقد اعترف بلفور في ذلك الوقت أن الأرض التي ستقام عليها دولة لليهود هي أرض فلسطين، ويقيم عليها شعب عربي فلسطيني، ومع ذلك صدر الوعد الذي يمثل المستند الدولي الأول لصالح عصابات صهيونية، لم يكن لها وجود يذكر على أرض فلسطين.
*نسيان ذكرى وعد بلفور، وعدم ترتيب الفعاليات، وعدم تنظيم الاحتجاجات لا يعني إلا تجاهل القيادة لأصل الجريمة التي ضربت الشعب العربي الفلسطيني ولا يعكس إلا تخلي القيادة الفلسطينية عن جذر الصراع*، وعن صلب الحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني.
وإذا تجاهلت القيادة الفلسطينية وعد بلفور، وإذا تغافل الناس عن الذكرى بسبب تراكم المصائب والأحداث الجسام على كاهل الشعب العربي الفلسطيني، فإن التذكير بالذكرى، وفتح بوابة التاريخ على مرارتها، سيظلان المرجعية الثابتة للحق العربي الفلسطيني في أرضه التي اغتصبها الصهاينة بخيانة وخداع.