لم تكن حكاية الشعب الفلسطيني مع الاقتلاع وليدة حرب اندلعت، أو قرار اتُّخذ، أو حدود رُسمت على خرائط السياسة الدولية، بل بدأت فصولها قبل أكثر من قرن، حين خطّت بريطانيا وعداً على ورقة، منحت بموجبه ما لا تملك لمن لا يستحق، واضعةً أرض فلسطين ومستقبل شعبها على طاولة المشاريع الاستعمارية. ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف محاولات تغيير وجه البلاد، ولا مساعي اقتلاع أهلها من جذورهم، فتوالت النكبات والحروب والتهجير والاحتلال، في حين ظل الشعب الفلسطيني يتمسك بأرضه وذاكرته وهويته الوطنية.
من وعد بلفور عام 1917، مروراً بنكبة 1948 وعدوان 1967، والانتفاضتين الأولى والثانية، واتفاقيات التسوية التي لم تُنهِ الاحتلال، وصولاً إلى مواجهات عدة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال حتى حرب الإبادة الإسرائيلية التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، امتدت حكاية الصمود الفلسطيني عبر أجيال متعاقبة، لم تنجح الحروب في محو انتمائها، ولم تستطع عقود اللجوء أن تنتزع منها حلم العودة.
هي حكاية شعب واجه محاولات اقتلاعه بالتمسك بالأرض، وبالمقاومة بأشكالها المختلفة، وبحفظ الرواية الوطنية ونقلها من جيل إلى آخر؛ فكلما ظن العالم أن فلسطين أصبحت مجرد قضية لاجئين أو ملفاً سياسياً مؤجلاً، أعاد الشعب الفلسطيني تأكيد حضوره، وأن شعباً متجذراً في أرضه لا يمكن اختزاله في خيام النزوح أو قوائم المساعدات.
محطات من النضال الفلسطيني
لم تكن نكبة عام 1948 مجرد محطة عابرة في التاريخ الفلسطيني، بل شكلت نقطة تحول كبرى في حياة شعب تعرض للتهجير الجماعي وفقدان الأرض والممتلكات. فقد أدت الحرب التي شنتها العصابات الصهيونية ورافقها تأسيس دولة الاحتلال إلى تهجير أكثر من نصف السكان الفلسطينيين آنذاك، وتوزع مئات الآلاف منهم بين مخيمات اللجوء في الدول العربية والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما بقيت قضية العودة حاضرة في الوعي الوطني الفلسطيني.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1948، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194، الذي تناول عودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم و"العيش بسلام" مع جيرانهم، أو تعويضهم. وفي العام التالي تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لتصبح المخيمات شاهداً مستمراً على قضية لم تجد طريقها إلى الحل.
وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم يقتصر النضال الفلسطيني على الحفاظ على الهوية في مخيمات الشتات، بل بدأ يتخذ أشكالاً سياسية وتنظيمية أكثر وضوحاً، وصولاً إلى تأسيس منظمة التحرير عام 1964، بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً لتمثيل الفلسطينيين.
وجاء عدوان يونيو/ حزيران 1967 ليضيف فصلاً جديداً من المعاناة، بعدما احتلت (إسرائيل) الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وشهد الفلسطينيون موجة نزوح جديدة، فيما أصبحت الأرض الفلسطينية بأكملها تقريباً تحت وطأة الاحتلال أو تداعياته.
وفي عام 1974، أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والعودة. كما شهدت العقود التالية تصاعد الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، بالتوازي مع استمرار العمل الوطني والسياسي.
ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر/كانون الأول 1987، دخل النضال مرحلة جديدة، اتسمت بالمشاركة الشعبية الواسعة في مواجهة الاحتلال، من خلال المظاهرات والإضرابات والمقاطعة والاحتجاجات الشعبية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1988، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين، في خطوة سياسية وتاريخية مهمة.
وفي عام 1993، وقعت منظمة التحرير و(إسرائيل) اتفاقيات أوسلو، التي فتحت الباب أمام إنشاء السلطة وإدارة أجزاء من الأراضي الفلسطينية، لكنها أبقت قضايا جوهرية، بينها القدس واللاجئون والاستيطان والحدود، رهينة المفاوضات المؤجلة.
ولم يلبث أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، في ظل تعثر مسار التسوية واستمرار الاحتلال والاستيطان، وترافقت مع تصعيد عسكري واسع واجتياحات وعمليات تدمير طالت المدن والمخيمات الفلسطينية.
أما قطاع غزة، فقد شهد منذ عام 2008 حروباً إسرائيلية متعاقبة، تركت آثاراً إنسانية واقتصادية وعمرانية عميقة، بالتزامن مع الحصار والانقسام السياسي الفلسطيني وتدهور الأوضاع المعيشية.
وفي عام 2012، حصلت فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، في خطوة دبلوماسية عكست استمرار السعي الفلسطيني إلى انتزاع الاعتراف الدولي بالحقوق الوطنية.
وصدت المقاومة الفلسطينية حروباً عدة شنها الاحتلال أبرزها في الأعوام: 2014، 2021ـ 2023، كانت أهم سماتها ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي مجازراً لم يعرف العالم لها مثيل.
لكن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 فتح فصلاً بالغ القسوة، مع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، التي أسفرت عن دمار هائل وموجات نزوح جماعي ووقوع أعداد كبيرة من الضحايا، وامتدت تداعياتها إلى مختلف مناحي الحياة. وهكذا، وجد الفلسطينيون أنفسهم مجدداً أمام مشهد الاقتلاع والتشريد، لكنهم ظلوا متمسكين بحقهم في أرضهم، رغم اتساع حجم الخسائر والمأساة.
وعد بلفور أسّس لمأساة سياسية مستمرة
ويرى المتخصص في التاريخ والآثار الفلسطينية عمر عبد ربه في حديث مع صحيفة "فلسطين" أن وعد بلفور، الصادر في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 1917، يمثل لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، "ليس لأنه أنشأ الصراع بمفرده، وإنما لأنه منح مشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين دعماً بريطانياً رسمياً، في وقت كانت فيه البلاد تضم مجتمعاً عربياً فلسطينياً يشكل الأغلبية السكانية، وله حقوقه السياسية والوطنية التي جرى تجاهلها".
ويقول عبد ربه إن جوهر الإشكالية التاريخية في الوعد يكمن في أن بريطانيا تصرفت بشأن مستقبل أرض لا تملكها، دون الرجوع إلى أصحابها الأصليين، مشيراً إلى أن الرسالة تحدثت عن عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، لكنها لم تعترف بالأغلبية العربية الفلسطينية باعتبارها شعباً له حقوق سياسية ووطنية.
ويضيف أن هذه المفارقة تختصرها العبارة الفلسطينية الشهيرة: "وعد من لا يملك لمن لا يستحق"، موضحاً أنها تعبير سياسي عن رفض منح قوة استعمارية وعداً بشأن وطن يسكنه شعب آخر، وليست اقتباساً حرفياً من نص وعد بلفور.
ويوضح المؤرخ الفلسطيني أن تداعيات الوعد لم تتوقف عند حدود الرسالة البريطانية، بل انتقلت إلى الإطار السياسي والقانوني الذي حكم فلسطين خلال الاحتلال البريطاني، بعدما أُدرج مضمونه في صك الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم عام 1922.
ويشير إلى أن تلك المرحلة شهدت توسع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتصاعد التوترات والمواجهات، في مقابل تنامي الحركة الوطنية الفلسطينية ومطالبها بالاستقلال ورفض فرض مستقبل البلاد من الخارج، وصولاً إلى الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939.
ويؤكد عبد ربه أن نكبة 1948 كانت من أبرز النتائج التاريخية التي أعقبت تلك التحولات، تأسيس (إسرائيل) وتهجير جماعي للشعب الفلسطيني، لتتحول قضية الأرض إلى قضية لاجئين وشتات وحق في العودة، قبل أن يأتي عدوان 1967 ويضع الضفة الغربية وشرقي القدس وقطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي.
ويضيف أن الشعب الفلسطيني لم يتعامل مع هذه التحولات بوصفها أحداثاً منفصلة، بل خاض على امتداد العقود الماضية أشكالاً متعددة من النضال، شملت الحفاظ على الهوية الوطنية في الداخل والشتات، وتأسيس منظمة التحرير، والانتفاضات الشعبية، والعمل السياسي والدبلوماسي، والسعي إلى تثبيت الحقوق الوطنية في المؤسسات الدولية.
ويشير إلى أن الاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية، وصولاً إلى حصول فلسطين على صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، لم ينهِ واقع الاحتلال، ولم يحقق للفلسطينيين الاستقلال والسيادة أو يضع حداً لقضية اللاجئين.
وعن حرب عام 2023، يوضح عبد ربه أن ما شهده قطاع غزة لا يمكن قراءته باعتباره بداية التاريخ الفلسطيني، بل ينبغي وضعه في سياق تاريخي أوسع من التهجير والاحتلال وتراكم الأزمات السياسية والإنسانية.
ويحذر من اختزال كل ما جرى خلال أكثر من قرن في وعد بلفور وحده، باعتبار أن التطورات اللاحقة ارتبطت أيضاً بقرارات وسياسات ومواجهات متعاقبة، لكنه يشدد على أن فهم جذور القضية الفلسطينية يقتضي العودة إلى تلك اللحظة التاريخية وما ترتب عليها من تحولات.
ويختم عبد ربه بالتأكيد على أن تجاوز المأساة الفلسطينية لا يتحقق بإدارة الصراع أو تأجيل استحقاقاته، وإنما بمعالجة أسبابه وجذوره، قائلاً: "إن إنهاء الاحتلال، وحماية المدنيين، وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين، تمثل جميعها شروطاً أساسية لأي تسوية تنهي هذا الصراع الممتد".