"بدأت الحكاية بستة مقاومين غادروا قطاع غزة إلى الضفة الغربية عام 1992، حاملين سلاحًا متواضعًا، لكنهم حملوا معهم فكرة تجاوز الفصل بين الجبهتين.
ومن تلك الخطوات الأولى تشكلت علاقة ممتدة بين مقاومي غزة والضفة، كان محمد الضيف أحد أبرز من قادوها وأسهموا في تطويرها".
لم يكن انتقال المقاومين من غزة إلى الضفة مجرد انتقال جغرافي، بل كان بداية كسر الحواجز بين جبهتي المقاومة، وتأسيس مرحلة من العمل المشترك وتبادل الخبرات والإمكانات. ومن تلك البدايات تشكلت نواة العمل العسكري الذي أسهم الشهيد محمد الضيف في قيادته وتطويره، حتى أصبح التنسيق بين غزة والضفة أحد أبرز ملامح تجربة كتائب القسام، عايش المحرر محمود موسى عيسى (أبو البراء) ومن من أبرز رموز الحركة الأسيرة ومن قيادات مرحلة التأسيس في العمل المقاوم، وعميد أسرى حركة حماس في سجون الاحتلال الإسرائيلي سابقاً.
ويروي عيسى في حوار مع صحيفة "فلسطين" أنه كان أول المقاومين من كتائب الشهيد عز الدين القسام الذين انتقلوا من قطاع غزة إلى الضفة الغربية ستة إخوة، هم: الشهداء عماد عقل، وبشير حماد، وطلال نصار، ومحمد حرز، ومحمد أبو عطايا، ومحمد أبو عايش. وكان هؤلاء مطاردين ومطلوبين للاحتلال في قطاع غزة، فوجههم الشهيد ياسر النمروطي، قائد كتائب القسام في القطاع آنذاك عام 1992، إلى التوجه نحو الضفة الغربية.
وقال عيسى: "كان الشهيد صلاح جاد الله من غزة هو من نسق انتقال هؤلاء المقاومين إلى الضفة الغربية والقدس، وكان يدرس في كلية المهن الطبية بمدينة البيرة، ونقلهم بالتنسيق مع أحد شباب مساجد منطقة البيرة من حي أم الشرايط، وطلب منه نقل هؤلاء المقاومين من القطاع إلى الضفة.
وكان ذلك الشاب ضمن الوحدة الخاصة والمجموعة العسكرية التي أسستها في القدس".
وأضاف: "انتقل الإخوة الستة إلى الضفة حاملين سلاحهم، الذي كان متواضعًا، واقتصر على مسدس وبندقية كارلو لا تحتوي إلا على خمس رصاصات. وسكن ثلاثة منهم في منطقة البيرة، وهم محمد حرز ومحمد أبو عطايا ومحمد أبو عايش، فيما سكن الثلاثة الآخرون في منطقة العيزرية شمال شرقي القدس، وهم بشير حماد وطلال نصار وعماد عقل".
وحول ما آلت إليه تجربتهم بعد انتقالهم، تابع: "التقيت بهؤلاء الإخوة في القدس، ولا سيما بشير حماد، مرتين، وكان اللقاء للتنسيق للعمل والتخطيط لمراحل لاحقة. لكن قدر الله أن يُعتقل الثلاثة الذين استقروا في منطقة البيرة، كما اعتُقل الشهيد صلاح جاد الله".
أما الثلاثة الآخرون، فقد انتقل الشهيد عماد عقل إلى الخليل بتنسيق من الإخوة، وعمل هناك مع الإخوة في الجهاز العسكري، ثم عاد إلى القطاع وواصل عمله حتى استشهاده. فيما توجه بشير حماد وطلال نصار إلى شمال الضفة، ومكثا هناك مدة، ثم عادا إلى غزة، قبل أن يغادرا عبر الحدود مع مصر إلى الخارج، وفق ما يحكي عيسى.
وأوضح أن ذلك كان البداية للعلاقة بين الجهاز العسكري في الضفة الغربية والقطاع، ولفت إلى أنه عندما وصل المقاومون، التقوا الشهيد الشيخ صالح العاروري، وكان هناك اتفاق على تسليمهم سلاحهم، لكن الأمر تعطل مدة، ثم اعتُقل ثلاثة من هؤلاء المقاومين.
وقال: "من خلال خبرة الشهيد عماد عقل مع المقاومين في الخليل، انتقلت التجربة إلى بقية المقاومين في غزة، ومن بينهم المقاوم الشهيد محمد الضيف".
قدوم الضيف للضفة
وبشأن إسهام انتقال محمد الضيف إلى الضفة الغربية في تعزيز العلاقة بين مجموعات المقاومة في المنطقتين، روى عيسى: "بعد مدة قصيرة، جاء الشهيد الضيف إلى الضفة، وكان ذلك في المرحلة الثانية من انتقاله إليها.
وقد ساعد هذا الأمر على اكتساب خبرة أكبر بطبيعة الأرض والمكان".
وأكد أن انتقال المقاومين من القطاع إلى الضفة كسر حاجز الفصل بين الجانبين، ودمج إمكانات العمل بين مجموعات المقاومة في غزة والضفة، وأصبح كل طرف يستفيد من الآخر، سواء في السلاح أو الخبرات أو أماكن الاختباء أو المساعدين.
وعلى امتداد تلك المرحلة، وفق عيسى، كانت مدينة القدس المكان الأكثر مساعدة للمقاومين من الضفة والقدس، نظرًا إلى خصوصية وضع مقاوميها وسهولة تحركهم وتنقلهم من مكان إلى آخر، لكونهم يحملون الهوية الزرقاء.
وكان الشهيد محيي الدين الشريف، ابن مدينة القدس، هو من أحضر الضيف من غزة إلى بيت لحم، كما كان المقاومون الذين نقلوا سابقًا يحملون بطاقات هوية القدس.
وعن أبرز ملامح التعاون بين المقاومة في غزة والضفة خلال تلك المرحلة، لفت أن تلك المرحلة امتازت بالتعاون بين الطرفين في غزة والضفة، والعمل المشترك وتبادل الخبرات والسلاح.
فقد كان السلاح نادرًا وعزيزًا في الضفة وغزة، وعندما تحصل أي مجموعة على قطعة سلاح، كان ذلك حدثًا كبيرًا ومصدر بهجة عظيمة في نفوس المقاومين. وكانت قطعة السلاح تنتقل من مجموعة إلى أخرى، ومن شمال القطاع إلى جنوبه.
كما أن دخول الضيف إلى منطقة حساسة مثل بيت لحم أتاح له التواصل مع مجموعات المقاومة في الخليل والقدس، من خلال الشهيد محيي الدين الشريف، ومع مجموعات الشمال لاحقًا، من خلال الشهيد المهندس يحيى عياش.
وأشار أنه أعقب دخول الضيف إلى الضفة تنفيذ أعمال مقاومة تأسست على العلاقة التي بناها خلال وجوده الأول فيها، وتطورت لاحقًا إلى عمليات جرى ترتيبها من القطاع، وساعد شباب القدس على تنفيذها، ومنهم أيمن سدر، الذي نقل استشهاديين من القطاع إلى القدس، ونفذا عملية استشهادية.
وحول انتقال يحيى عياش من الضفة إلى القطاع وتطور العمل المقاوم، قال عيسى: إنه ومع مجيء السلطة الفلسطينية، أصبح الوضع في الضفة أكثر صعوبة. ففي البداية، كانت السلطة تسيطر على القطاع وأريحا، بينما بقيت بقية مناطق الضفة تحت سيطرة الاحتلال.
وأضاف: "انتقل عياش من الضفة إلى غزة لغايتين؛ الأولى أن الاحتلال كان يتوقع أن عياش ينتقل من مدينة إلى أخرى بالضفة، والثانية أن قطاع غزة بدأ يشهد تبلور قوة وازنة للمقاومين، مع عودة الشهيد عدنان الغول، الذي كان من خبراء التصنيع.
نواة العمل العسكري
وكما يروي عيسى، شكّل انتقال الشهيد عياش إلى غزة، إلى جانب الشهيدين محمد الضيف وعدنان الغول، نواة العمل العسكري الذي وصلت إليه كتائب القسام في القطاع، وبداية تشكل هذا الجيش العظيم، من خلال التركيز على توسيع تجنيد المجاهدين، وتطوير السلاح وزيادة قوته وفاعليته، والارتقاء بمشروع التصنيع العسكري وإحداث نقلات نوعية فيه.
ورغم أن المقاومين الثلاثة القادة كانوا موجودين في غزة، لفت عيسى أن أنظارهم كانت تتجه إلى القدس والضفة الغربية، وكانوا يحركون العمل هناك من القطاع، ليس بالتوجيه فقط، وإنما أيضًا من خلال الإمداد بالمال والسلاح والخبرة والأوامر.
وقد أسهم ذلك، كما ذكر، في تنفيذ عمليات كبيرة ومؤثرة انطلقت من الضفة والقطاع، ومن أبرزها عمليات الثأر لمجزرة الحرم الإبراهيمي، وعمليات الثأر المقدس لاستشهاد يحيى عياش.
وعن أبرز العمليات التي جسدت التنسيق المشترك بين مجموعات المقاومة في غزة والضفة، ودور محمد الضيف في إدارتها، أشار إلى أنه من أبرز العمليات التي ظهر فيها التنسيق بين الضفة والقطاع عملية أسر الجندي نخشون مردخاي فاكسمان، التي نفذتها مجموعة من القدس، وشارك فيها الشهيد صلاح جاد الله، الذي كان من أوائل من رتبوا لدخول مقاومي القسام من غزة إلى الضفة الغربية.
وقد استشهد جاد الله خلال العملية، إلى جانب شهداء من القدس، في مشهد امتزجت فيه دماء الشهداء من غزة والقدس.
وأكد عيسى أن الشهيد الضيف كان يدير العملية، وشهدت هذه العملية أول ظهور له في الفيديو الشهير المعروف من غزة. وبعد العملية، بدأ العمل الجهادي لكتائب القسام يتطور، وأخذ التنسيق بين الضفة الغربية وقطاع غزة منحى أكبر، وكان الشهيد محمد الضيف على رأس إدارة هذا العمل.


