يشن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وسياسيون إسرائيليون حملة تحريض ضد قادة القوائم العربية، بعد رفع تمثيل القائمتين العربيتين "المشتركة" و"الموحدة" إلى 19 مقعدًا في الانتخابات الإسرائيلية البرلمانية، وسط مزاعم واتهامات لفلسطينيي الداخل بـ"سرقة الانتخابات والتزوير وتلقي أموال أجنبية من قطر أو التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين"، ترافقها دعوات إلى اعتقال قادة الأحزاب العربية.
ودعا وزير ما يسمى الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير جهاز "الشاباك" إلى اعتقال رؤساء الأحزاب العربية، بزعم "الاشتباه في تورطهم في تلقي أموال قطرية".
في حين يؤكد مختصون بالشأن الإسرائيلي في أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين" أن الهدف من الاتهامات منع القائمتين العربيتين من التحالف مع أي قائمة إسرائيلية أخرى، وتهميش دورهما السياسي، وتوفير توجه لإعادة النظر في مكانة فلسطينيي الداخل السياسية وتهميش دورهم.
ونفى المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، نفياً قاطعاً مزاعم تدخل قطر في الانتخابات الإسرائيلية أو تمويل أي أنشطة تستهدف التأثير في نتائجها، ورفض الاتهامات التي يروج لها بعض السياسيين الإسرائيليين وأطراف إعلامية مرتبطة بهم، "في إطار حملة تضليل جديدة تستهدف زجّ اسم قطر في التجاذبات السياسية الداخلية في (إسرائيل)"، على خلفية انتخابات الكنيست التي أُجريت.

وقال المختص في الشأن الإسرائيلي د. عمر جعارة، إنه لا يمكن لنتنياهو أن يذهب إلى أي مجال إلا بالكذب والاحتيال. فقد وصف المظاهرات التي خرجت بمئات الآلاف ضد ما سمي "الإصلاح القضائي" بأنها انقلاب على "ديمقراطية" دولة الاحتلال المزعومة، وكان يعتقد أنه سيحصل بسهولة على 61 مقعدًا في هذه الانتخابات، لكن النتائج التي منحته 59 مقعدًا، ثم انخفضت المقاعد إلى 53 مقعدًا، أصابته بالجنون.
وأضاف جعارة لصحيفة "فلسطين": "عندما وجد نتنياهو نفسه عاجزًا عن تشكيل حكومة إلا بالصوت العربي، لجأ إلى التشكيك في النتائج التي أوصلت الأحزاب العربية إلى 17 أو 18 مقعدًا، وبدأ بتأليف الأكاذيب والادعاء بأنها ممولة من قطر والخارج، في محاولة للطعن في نزاهة الانتخابات والتشكيك في نتائجها.
ولفت إلى أن نتنياهو يواجه صعوبة في تبرير عدم وصوله إلى الرقم المطلوب، رغم قيادته المعسكر اليميني وتحالفه مع بتسلئيل سموتريتش. ولذلك يحاول التشكيك في نتائج الانتخابات وإثارة الادعاءات بشأن تدخل أطراف خارجية.
أزمة كبيرة
ويعتقد أن الاحتلال أمام أزمة كبيرة، فقد أدى فشل نتنياهو إلى إغلاق مسارات أمامه ووجود طرق وعرة تحول دون تشكيل الحكومة. لذلك يحاول إعادة تكرار تجربة إسقاط حكومة نفتالي بينيت على الرغم من مضي سبعة أشهر على توليها المسؤولية، والدفع بدولة الاحتلال إلى انتخابات مبكرة ثلاث مرات، كلفت كل جولة انتخابات نحو مليار ونصف مليار شيكل.
في حين رأى المختص في الشأن الإسرائيلي عليان الهندي أن الهدف من التحريض أن ائتلاف نتنياهو انهزم في الانتخابات؛ إذ كان التكتل يضم 68 مقعدًا، وخسر الآن 15 مقعدًا، وعمليًا سقط. ولو كانت الانتخابات بين شخصين، لسقط نتنياهو. والأخطر أن منافسيه في المعسكر الصهيوني لم يتمكنوا من الحصول على أغلبية يهودية، فأصبح الفشل مزدوجًا، وبالتالي لم يجد طرفًا يوجّه إليه الاتهام بإسقاط نتنياهو سوى الطرف العربي.
وقال الهندي لصحيفة "فلسطين": "كان التوجه العربي واضحًا نحو إسقاط نتنياهو، وقابله توجه واضح من الليكود لمحاولة إخراج قائمة منصور عباس من الانتخابات والتشويش على القائمة المشتركة. وكانت الخصومة واضحة، لكن العرب اعتبروا أن إخراج نتنياهو جزء مهم من تخفيف المشكلات التي يعانونها، في حين كانت القائمة المشتركة تقول إن إسقاطه يعني إسقاط الفاشية وقادة الإبادة".
وأضاف: "سقط نتنياهو في الانتخابات، ولم يجد وسيلة لمواجهة خصومه، فبدأ بتوجيه الاتهامات إلى القائمة المشتركة. وكان يستهدف قائمة منصور عباس ويحاول إقصاءها بزعم أنها تابعة للإخوان المسلمين، إذ يريد إيجاد خصم يحمّله مسؤولية فشل الليكود. وأعتقد أن الأمور لن تسير كما يفكر، لأن الهدف الأساسي للفلسطينيين كان إزاحة نتنياهو عن الحكم لتحسين ظروفهم الاقتصادية وتخفيف مستوى الجريمة".

ويعتقد الهندي أن هذه الحملة تهدف إلى تحييد الأحزاب العربية بشكل مطلق، ومنعها من أداء دور سياسي في التغيير. وقد برز خلال اليومين الماضيين توجه لإمكانية تحالف حزب أيزنكوت مع القائمة العربية، ما يسمح بتشكيل حكومة. وفي هذا السياق جاءت الهجمة لمنع فلسطينيي الداخل من أداء أي دور سياسي، رغم أن دورهم البرلماني استطاع تحييد نتنياهو.
ولفت إلى أن نتنياهو اتجه نحو الإبادة في غزة، وعزل الفلسطينيين في معازل، ونزع البعد السياسي والوطني عن السلطة في الضفة الغربية. ويسعى إلى إبعاد القضايا الوطنية والسياسية عن العرب، وتحويل الفلسطينيين إلى سكان وليسوا مواطنين.
تهميش الدور العربي
واستبعد الهندي اتخاذ إجراء كاعتقال قيادات القوائم العربية، خاصة أن رؤساء القوائم أعضاء في الكنيست، ما يجعل إقصاءهم أمرًا صعبًا، وإن كان نتنياهو قد يفكر في رفع الحصانة البرلمانية عنهم.
هذا التحريض الذي لم يتوقف منذ إعلان نتائج الانتخابات، يعود سببه الرئيس، وفق المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد إلى قناعة نتنياهو بأن الجماهير قررت إسقاطه ونجحت في ذلك. وبالنسبة إلى شخصية متعجرفة مثله، فإن رؤية الجماهير الفلسطينية في الداخل تعيد تنظيم نفسها، وتخرج بهذه النسبة الكبيرة، وتوجّه أصواتها نحو القوائم العربية التي ينظر إليها باعتبارها عدوًا، وتتمكن من حصد عدد كبير من المقاعد وإسقاط اليمين الديني المتعجرف، أمر لا يمكن المرور عليه مرور الكرام.
ورأى شديد في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن هناك توجها لإعادة النظر في مجمل المكانة العربية في الانتخابات والكنيست، وإعادة فلسطينيي الداخل إلى حالة الضعف وإبقائهم على الهامش، وجعل الكنيست مؤسسة إسرائيلية لليهود. "لذلك نرى التحريض والتشكيك، بهدف عدم التعامل مع الجماهير العربية باعتبارها جزءًا من دولة الاحتلال، وعدم إعطاء شرعية لأي تحالف عربي مع قائمة إسرائيلية أخرى، بادعاء أن هذه الأصوات داعمة لـ(ما يسمى) الإرهاب".
وأكد أن كل ما نشهده الآن هو محاولة من نتنياهو للبقاء على المنظومة القديمة، والاستمرار رئيسًا للحكومة، وإلغاء الانتخابات وعدم الاعتراف بنتائجها.


