لم تكن هزيمة نتنياهو في الانتخابات مجرد خسارة سياسية عابرة، بل امتدادًا لأزمة عميقة بدأت مع السابع من أكتوبر، حين تلقّت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية ضربة كشفت إخفاقاتها، ووضعت أسطورة الردع أمام اختبار تاريخي. *وبعد ثلاث سنوات من الحرب والقتل والدمار، جاءت صناديق الاقتراع لتضيف فصلًا جديدًا إلى إخفاقات نتنياهو*، الذي راهن على القوة العسكرية لاستعادة صورته وضمان بقائه السياسي.
لقد *حاول نتنياهو تحويل حرب الإبادة في غزة، والاغتيالات، وتوسيع المواجهات الإقليمية، إلى رصيد انتخابي يعزز حكمه، لكن تراجع معسكره كشف حدود هذا الرهان، وأظهر أن القوة العسكرية لا تضمن بالضرورة النجاح السياسي*، وأن الأزمات التي أحدثها السابع من أكتوبر ما زالت تلاحقه.
أما المفاجأة الأبرز، فتمثلت في صعود الأحزاب العربية وتجاوزها حاجز الستة عشر مقعدًا، بما يعزز حضور الفلسطينيين داخل أراضي 1948، ويمنحهم وزنًا أكبر في معادلة الكنيست. وكل مقعد إضافي يضيّق هامش المناورة أمام نتنياهو، ويزيد أهمية التمثيل العربي في الحسابات البرلمانية والتحالفات المقبلة.
ومع ذلك، فإن *هزيمة نتنياهو لا تعني انتصار الاعتدال الإسرائيلي، ولا انتهاء السياسات العدوانية تجاه الفلسطينيين*. فالخصم الرئيسي، غادي آيزنكوت، أحد أبرز رموز المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وارتبط اسمه بعقيدة الضاحية القائمة على الاستخدام الواسع للقوة التدميرية. وهو ما يؤكد أن الخلاف بين القيادات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اختلافًا جوهريًا في التعامل مع الفلسطينيين.
ومن هنا، تبدو رهانات بعض الأنظمة العربية على بدائل نتنياهو، أو التعويل على تغيير الوجوه لإحياء مسارات التطبيع، رهانات تفتقر إلى قراءة عميقة لطبيعة المشروع الإسرائيلي. فالمشكلة ليست في شخص نتنياهو وحده، وإنما في منظومة سياسية وعسكرية أوسع تتبنى الاحتلال والاستيطان واستخدام القوة.
إن تراجع نتنياهو يحمل دلالات تتجاوز مصيره الشخصي؛ فهو يفتح الباب أمام تعمّق الانقسامات الإسرائيلية، وإعادة طرح المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، وتراكم الأزمات داخل المؤسسة السياسية والعسكرية.
لقد سعى نتنياهو إلى تحويل الدمار في غزة إلى نصر انتخابي، فإذا بصناديق الاقتراع تكشف حدود رهانه. قد يغادر نتنياهو الحكم، لكن جرائم الحرب لا تسقط بخسارة الانتخابات، ولا تُمحى المسؤولية عن الدم الفلسطيني بتبديل الحكومات. ويبقى التحدي الفلسطيني في تحويل التحولات السياسية الإسرائيلية إلى فرص لتعزيز الحقوق الوطنية، لا إلى أوهام جديدة بشأن الاحتلال.


