لم يدق جرس المدرسة هذا الصباح، الذي دق كان قلب أم.
ثلاث مرات دق القلب، ثلاث مرات انقطع النفس، *ثلاثة أطفال خرجوا من خيام عائلاتهم يحملون حقائبهم، ولم يعودوا إلا محمولين على أكتاف الحزن*.
في أقل من 24 ساعة، غاب ثلاثة أطفال، ثلاث قصص، ثلاثة أحلام، في يوم واحد.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: ما قيمة المدرسة إذا كان الطريق إليها يقتل؟ ما قيمة أن نعلّم الطفل أن يكتب حرف الألف، إذا كان لا يستطيع أن يكتب كلمة «أنا حي»؟ ما قيمة أن نعطيه كتابًا، إذا كانت حقيبته ستثقب؟ ما قيمة أن نقول له: احفظ درسك، إذا كان الدرس الوحيد الذي سيحفظه هو كيف ينجو؟
القضية ليست ثلاثة، القضية هي الطريق، *طريق المدرسة في غزة لم يعد طريقًا، أصبح امتحانًا يوميًا في البقاء، الطفل لا يمشي فيه، بل يزحف بقلبه، كل خطوة يحسبها، كل زقاق يخافه، كل سماء ينظر إليها وهو يسأل: هل سأصل؟*
أكثر من نصف مليون طفل عادوا إلى مدارسهم هذا العام، عادوا رغم أن مدارسهم ليست مدارس، خيام من قماش، مقاعد من بلاستيك مكسور، سبورات من خشب قديم، دفاتر جمعوها من تحت الركام.
عادوا لأنهم يحبون الحياة، لأنهم يريدون أن يتعلموا، لأن الطفل الفلسطيني يعرف أن قلمه هو سلاحه الوحيد، وأن دفتره هو وطنه الصغير.
لكن كيف يتعلم طفل وهو يسمع فوقه صوتًا لا ينقطع؟ صوت يسبب الصداع، يسبب الخوف، يسبب الأرق. كيف يحفظ قصيدة وهو يفكر: هل سأعود لأمي؟
كيف لمعلم أن يشرح درسًا في الرياضيات، وهو يعد طلابه كل صباح ليتأكد أن أحدًا لم ينقص؟ كيف لمعلمة أن تقول: افتحوا الكتاب على الصفحة العاشرة، وهي تعرف أن هناك كتابًا لن يُفتح أبدًا؟
كل طفل يرحل لا يترك مقعدًا فارغًا فقط، يترك صفًا كاملًا يرتجف، يترك مئة طفل يسألون أمهاتهم في المساء: هل سنذهب غدًا؟ وتجيب الأم وهي تبكي من الداخل: نعم، ستذهبون، لأن التعليم هو الحياة، لكنها في داخلها تتمنى لو تستطيع أن تربطهم بجانبها ولا تتركهم.
هذه هي الصورة التي يجب أن تصل لكل إنسان، طفل يخرج من بيته بحقيبة فيها قلم رصاص براه أبوه بسكين صغيرة، وابتسامة تقول: سأعود، ثم لا يعود.
تبقى الحقيبة، تبقى الابتسامة معلقة على باب الدار.
غدًا صباحًا، ستدق الأجراس في كل مدارس القطاع، سيدخل المعلمون، سيفتحون دفاتر الحضور.
سيقول أحدهم: محمد؟ سيصمت الجميع، سيتذكرون الطفل الذي لم يخلع حقيبته.
سيقول الآخر: مسك؟ ستبكي صديقتها التي كانت تجلس بجانبها، وتقول: كانت هنا بالأمس، أخذت عشرة في الإملاء.
سيقول الثالث: تامر؟ ولن يجيب أحد، إلا الريح التي تمر من فوق المقاعد الفارغة.
ثلاثة مقاعد فارغة، لكنها ليست فارغة، هي مليئة بالأسئلة.
مليئة بسؤال لكل أم في العالم: لو كان هذا طفلك، هل كنت ستنامين؟
مليئة بسؤال لكل معلم في العالم: لو كان هذا تلميذك، هل كنت ستكمل الدرس؟
مليئة بسؤال لكل إنسان: إذا لم يكن طريق المدرسة آمنًا، فأي طريق في هذا العالم آمن؟
هؤلاء الأطفال لم يطلبوا شيئًا كبيرًا، لم يطلبوا قصورًا ولا سيارات، طلبوا أن يذهبوا إلى مدارسهم ويعودوا أحياء.
طلبوا أن يكتبوا أسماءهم على دفاترهم، فكتبنا أسماءهم على شواهد قبورهم.
ناموا بسلام يا محمد ويا مسك ويا تامر، دفاتركم لم تُغلق، سنكمل نحن الكتابة عنكم.

