ثلاث سنوات مرت ، و التاريخ لا يزال عالقاً عند ذلك اليوم ، 17 أكتوبر 2023.
الساعة كانت السابعة و النصف تقريباً ، مدينة غزة كانت غارقة في الظلام ، إلا من ضوء القصف ، الناس هناك تعلموا قاعدة واحدة : إذا اشتد القصف ، اذهبوا إلى المستشفى ، المستشفى هو المكان الأخير الذي لا يُقصف ، هكذا قال لهم العالم في كل كتبه وقوانينه.
فذهبوا إلى المستشفى المعمداني ، لم يذهب المرضى فقط ، ذهبت العائلات كلها، أم تحمل طفلها المريض ، وأب يحمل ابنته النازحة ، وجدة لا تستطيع المشي، وشاب فقد بيته فظن أن ممر المستشفى هو بيته الجديد، كانت الساحة ممتلئة، أكثر من ألف إنسان تقريباً نائم ، جالس ، واقف، ينتظر أن تمر الليلة.
كانوا يظنون أنهم في أمان، كانوا يظنون أن المستشفى ، سيحميهم.
وفي لحظة واحدة، انقلب كل شيء ، لا أحد يستطيع أن يصف الصوت ، ليس انفجاراً واحداً ، بل نار ابتلعت ساحة كاملة، في المكان الذي كان فيه دواء، صار فيه دماء، في المكان الذي كان فيه سرير ، صار فيه ركام، في المكان الذي كان فيه دعاء بالشفاء، صار فيه صراخ لا يتوقف.
تلك الليلة، لم يمت المرضى فقط، ماتت فكرة المستشفى نفسها، ماتت فكرة أن هناك مكاناً آمناً في الحرب، ماتت فكرة أن الجريح له حرمة، وأن الطبيب له حماية، وأن الطفل النائم في حضن أمه لا يُمس.
نحو خمسمئة شهيد في دقائق ، الرقم كبير لدرجة أن العقل لا يستوعبه، خمسمئة ليسوا رقماً، خمسمئة هم خمسمئة حكاية، هذه أم كانت تعد الخبز في الصباح، وهذا أب كان يبحث عن ماء، وهذه طفلة كانت تحلم أن تعود إلى مدرستها، وهذا طبيب كان يعمل 48 ساعة متواصلة دون نوم.
ثلاث سنوات مرت ، وما زالت ساحة المستشفى تتذكر، ما زال الأطباء هناك يتذكرون كيف اضطروا أن يختاروا من يعيش ومن يموت، لأنه لا يوجد مكان، كيف اضطروا أن يكتبوا الأسماء على أكياس، لأن الوجوه لم تعد معروفة، كيف اضطروا أن يغسلوا الدم عن الأرض، وهي نفس الأرض التي أقسموا أن يحافظوا عليها نظيفة للشفاء.
العالم كله رأى الصورة، ورأى الأطفال محمولين، ورأى البطانيات البيضاء تغطي أجساداً صغيرة، ثم انقسم العالم في الكلام، كعادته، من فعلها؟، كيف حدثت؟، لكن أهل غزة لم ينقسموا، هم يعرفون جيداً أن من كان تحت القصف يعرف من أين جاء القصف، هم لا يحتاجون لتحقيق، هم كانوا هناك.
اليوم ، في الذكرى الثالثة، لا نريد أرقاماً جديدة ولا جدالاً جديداً، نريد أن نتذكر الإنسان.
نذكر أن مستشفى كان يسمى المعمداني ، لأنه بني ليكون بيت شفاء منذ أكثر من مئة عام ، صار في ليلة واحدة رمزاً لكل ما حدث في هذه الحرب، رمزاً لأن الحرب لم تعد حرباً على مقاتلين، بل حرب على فكرة الحياة نفسها.
في تلك الليلة شعرنا أن كل مستشفى في قطاع غزة لم يعد آمناً ، وأن القانون الذي كنا نقرأه في الكتب ، لم يعد يحمينا.
ثلاث سنوات ، و المستشفى ما زال يعمل، هذا هو العجيب، رغم الركام، ورغم الذكرى، ورغم الجرح المفتوح في ساحته، ما زال بابه مفتوحاً، ما زال يستقبل جريحاً ، ويولد فيه طفل، ويعطي دواء ، كأنه يقول للعالم : حاولتم أن تجعلوني مقبرة ، لكنني سأبقى مستشفى.
في الذكرى الثالثة لمجزرة المعمداني ، لا أقول سوى هذا : سلام على الأرواح التي ذهبت وهي تبحث عن أمان، سلام على الأطباء الذين بقوا، سلام على كل مستشفى ما زال يضيء في غزة، رغم أنهم حاولوا إطفاءه.
وسيبقى 17 أكتوبر ليس مجرد تاريخ في نشرة الأخبار ، بل جرح في ذاكرة الإنسانية ، يسأل كل واحد فينا : إذا لم يكن المستشفى آمناً ، فأين الأمان؟.



