فلسطين أون لاين

واحدة من كل 21 امرأة.. عندما تصبح المرأة هي ساحة الحرب

هناك أرقام تمر مرور الكرام ، وهناك أرقام تثقل القلب وتجبرك على التوقف طويلاً.

حين تعلن وكالات الأمم المتحدة أن نحو 50 ألف امرأة وفتاة في قطاع غزة قُتلن أو أصبن بجروح خطيرة منذ أكتوبر 2023، بما يعادل واحدة من كل 21 امرأة وفتاة في القطاع، فأنت لا تقرأ مجرد إحصائية في تقرير إنساني، أنت تقرأ سجلاً كاملاً من الحكايات التي بُترت في منتصفها.

*واحدة من كل 21، هذا يعني أنه في كل صف مدرسي، في كل طابور خبز، في كل خيمة نزوح، هناك مقعد فارغ كان يجب أن يُشغل، واسم كان يجب أن يُنادى عليه*.

وإلى جانب هذا الرقم، رقم آخر لا يقل ثقلاً: نحو مليون امرأة وفتاة نازحات عن منازلهن، مليون قصة نزوح لا تتشابه إلا في حجم الألم، مليون حقيبة صغيرة حُشر فيها ما تبقى من البيت على عجل.

هذه ليست قصة حرب بالأرقام، هذه قصة الحرب حين تسكن جسد المرأة وتفاصيلها اليومية.

في غزة، كانت المرأة قبل هذه الحرب هي العمود الفقري للمجتمع، هي المعلمة، والطبيبة، والمهندسة، والصحفية التي تحمل كاميرتها لتوثق الغروب على بحر غزة، والفلاحة التي تحصد، والطالبة الجامعية التي تحلم بمستقبلها.

كانت هي التي تحفظ البيت، وتدير تفاصيله، وتزرع الورد على شرفة ضيقة وتقول إن الجمال شكل من أشكال البقاء.

اليوم، أصبحت المرأة هي الخيمة نفسها، تحولت من صاحبة بيت إلى صاحبة خيمة من قماش ونايلون. 

*المرأة في غزة اليوم تخوض حربين في آن واحد، حرب القصف والخوف والفقد، وحرب البقاء اليومي الصامتة التي لا تظهر في نشرات الأخبار*.

هي التي تستيقظ قبل الجميع لتجلب الماء من مسافات بعيدة، وهي التي تقف لساعات طويلة في طوابير المساعدات، وهي التي تحاول أن تصنع من لا شيء وجبة لأطفالها، وهي التي تخيط من بقايا القماش ما يستر أبناءها ويحفظ كرامتهم.

وتشير التقارير الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمات دولية إلى أن الغالبية العظمى من النساء النازحات يعانين انعدام الأمن الغذائي الحاد، ولا يحصلن على الحد الأدنى من خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

وهذا يفتح الباب على أزمة صامتة وعميقة، آلاف النساء الحوامل يضطررن للسير لمسافات طويلة للوصول إلى مستشفيات مكتظة تفتقر للكهرباء والماء النظيف، وفتيات مراهقات انقطعن عن التعليم منذ عامين وأصبحن مسؤولات عن إعالة أسر كاملة، ونساء مسنات فقدن أدويتهن المزمنة.

إن الرقم المعلن، 50 ألف، هو فقط لمن تمكنت الطواقم من توثيق حالاتهن في المستشفيات، أما الواقع في الخيام البعيدة وفي المناطق التي يصعب الوصول إليها، فقد يكون أوسع.

النزوح بالنسبة للمرأة ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، هو سلب كامل للخصوصية والكرامة، هو أن تعيش مئات النساء في مساحة ضيقة ، وأن تفتقد المرأة لأبسط احتياجاتها الصحية، وأن تبكي دون أن تجد زاوية تبكي فيها وحدها.

التهجير يجرد المرأة من كل تفاصيلها الصغيرة: بيتها، مرآتها، خزانتها، وحقها في أن تكون وحيدة لبعض الوقت.

واحدة من كل 21، هذه النسبة تعني أن لا بيت في غزة إلا وفيه غياب أنثوي موجع، مقعد فارغ، ضفيرة لم تكتمل، حكاية لم تروَ، وصورة تخرج معلقة على جدار مهدوم.

حين تُستهدف المرأة بهذا الشكل، فإن ما يُستهدف هو قدرة المجتمع كله على التذكر والاستمرار، لأن المرأة هي من تحفظ الحكاية وتنقلها.

*50 ألف امرأة وفتاة ليست إحصائية باردة ، بل 50 ألف قصة لم تكتمل، و50 ألف حلم لم يتحقق*.

ومليون نازحة يعني مليون امرأة لا تزال صامدة، تقاوم الغياب بالحضور، وتقاوم الموت بالحياة، وتؤكد كل يوم أنها ليست رقماً، بل صاحبة حكاية واسم وذاكرة.

واحدة من كل 21 غابت، لكنَّ عشرين أخريات يحملن الآن حكايتها، و ينتظرن الغروب القادم.

المصدر / فلسطين أون لاين