بينما يهدد الاحتلال باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس د. خليل الحية، تتجاوز الرسالة حدود التهديد الشخصي لتكشف إصرارًا على إخضاع الفلسطينيين بالقوة، وهو الأمر الذي فشل به الاحتلال منذ عقود طويلة.
ويرى مراقبون أن سياسة الاغتيالات لا تضمن كسر إرادة الفلسطينيين، بقدر ما تكشف عجز القوة عن طمس جذور الصراع، وتهدد في الوقت ذاته بتقويض ما تبقى من الثقة بمسار التفاوض لتثبيت وقف إطلاق النار.
ومع تجدد التهديدات وتآكل الضمانات، تبقى الحقيقة الأعمق أن استهداف القادة قد يغيّر الأسماء، لكنه لا يمحو قضية شعب يناضل من أجل حريته وحقوقه الوطنية.
وفي 11 أكتوبر الجاري، هدد وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس عبر منصة «إكس» باغتيال د. الحية، ويأتي التهديد في سياق المواجهة المستمرة مع دولة الاحتلال في حين يحمل دلالات إضافية بالنظر إلى موقع د. الحية في قيادة حركة حماس ودوره في المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار.
وردت حماس على التهديد بوصفه شكلًا من أشكال "إرهاب الدولة المنظم" و"الإفلاس السياسي"، مؤكدة أنه لن يغيّر مواقف الحركة. كما دعت الوسطاء إلى إدانة التصريحات والضغط على حكومة الاحتلال لتنفيذ التزاماتها المتعلقة بوقف إطلاق النار ورفع الحصار.
وكانت دولة الاحتلال فشلت في محاولة اغتيال د. الحية في سبتمبر 2025، عندما شنت غارة جوية على مواقع في العاصمة القطرية الدوحة، استهدفت الوفد المفاوض لحركة حماس كان مجتمعا لمناقشة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، في اجتماع ترأسه د. الحية.
وأعلنت الحركة نجاة الحية وأعضاء وفدها المفاوض من محاولة الاغتيال، فيما أسفر الهجوم عن استشهاد ستة أشخاص، بينهم خمسة من الحركة وعنصر من الأمن الداخلي القطري.
رسالة ضغط
ويرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن تهديد كاتس باغتيال د. الحية "يمكن فهمه أنه جاء في إطار محاولات دولة الاحتلال بتوظيف القوة العسكرية والتهديدات المباشرة للضغط على القيادة الفلسطينية والتأثير في حساباتها السياسية".
ويقول بشارات لصحيفة "فلسطين": إن "التهديد باغتيال خليل الحية يتجاوز استهداف شخصية قيادية في حركة حماس، ليشكّل رسالة سياسية وأمنية موجهة إلى الحركة وإلى الوسطاء، مفادها أن (إسرائيل) تريد الاحتفاظ بـ(ما تسمى) حرية استهداف القيادات الفلسطينية حتى عندما تكون هذه القيادات منخرطة في مسار لتثبيت وقف إطلاق النار يفترض أن يفضي إلى وقف الحرب".
ويضيف أن خطورة التهديد تتضاعف في ضوء محاولة اغتيال الحية ووفد حماس في الدوحة في 9 سبتمبر/أيلول 2025، خلال اجتماع لمناقشة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، معتبرًا أن هذه السابقة تجعل التصريحات الإسرائيلية أكثر من مجرد خطاب سياسي، وإن كانت لا تثبت وحدها وجود قرار عملياتي وشيك.
ويتابع: "عندما يُستهدف وفد فلسطيني أثناء مناقشة مقترح لوقف إطلاق النار، ثم يعود مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى ليهدد باغتيال رئيس الوفد نفسه، فإن ذلك يطرح سؤالًا جوهريًا بشأن جدية الالتزام بالمسار السياسي برمته. فكيف يمكن بناء الثقة بين الأطراف إذا كان المفاوض نفسه يشعر بأنه قد يصبح هدفًا للاغتيال بسبب مشاركته في الحوار؟".
ويشير بشارات إلى أن (إسرائيل) قد تسعى من خلال هذه التهديدات إلى ممارسة ضغط على قيادة حماس لأجل قبول ما يسمى "تسليم السلاح" وفق الشروط الإسرائيلية، فضلًا عن محاولة التأثير في طبيعة المواقف الإيجابية التي تتبناها الحركة فيما يتعلق بمسار تثبيت وقف إطلاق النار.
لكنه يرى أن هذه السياسة لا تضمن تحقيق النتائج التي تسعى إليها (إسرائيل)، موضحًا أن "الضغط العسكري والتهديد باغتيال القادة قد يرفعان مستوى التوتر، لكنهما لا ينتجان بالضرورة تنازلات سياسية مستدامة. فالمعادلات السياسية لا تتحدد فقط بمصير الأشخاص، وإنما تتأثر أيضًا بطبيعة القضية التي يمثلونها، وبالظروف التي أنتجت الصراع، وبمدى استمرار الأسباب التي تدفع إلى المقاومة".
ويؤكد أن اغتيال القيادات الفلسطينية "لا يعني بالضرورة إضعاف المقاومة أو إنهاء قدرتها على الاستمرار، لأن الحركات السياسية والتنظيمية لا تختزل في شخص واحد، ولأن استهداف القادة لا يعالج جذور الصراع ولا يزيل المظالم التي تغذيه".
ويقول: "اغتيال القادة لا يعني اغتيال القضية، ولا يضمن إنهاء المقاومة. قد تتغير الأسماء والمواقع القيادية، لكن الأسباب السياسية والوطنية التي تقف وراء الصراع لا تختفي بمجرد استهداف شخصية بعينها. بل إن عمليات الاغتيال قد تتحول إلى عامل تعبئة إضافي، وتعزز الشعور بأن (إسرائيل) لا تريد الوصول إلى تسوية سياسية بقدر ما تريد فرض إرادتها بالقوة".
وعلى صعيد اتفاق وقف إطلاق النار، يحذر بشارات من أن التهديد قد يفاقم هشاشة الاتفاق ويقوض الثقة الضرورية لاستمراره، خصوصًا إذا لم يواجه بموقف واضح من الوسطاء والأطراف الراعية للعملية السياسية.
ويضيف أن "أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يمكن تقييمه من خلال النصوص والتعهدات المعلنة وحدها، بل من خلال مدى الالتزام الفعلي بها. فإذا استمرت التهديدات باستهداف القيادات الفلسطينية، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات والانتهاكات بحق الفلسطينيين، فإن ذلك يضع مصداقية الاتفاق أمام اختبار حقيقي، ويجعل الحديث عن التهدئة منفصلًا عن الوقائع على الأرض".
ويشدد بشارات على أن قطر ومصر والولايات المتحدة، إلى جانب الأطراف المعنية، مطالبة بالتعامل مع هذه التهديدات باعتبارها قضية تمس مستقبل الوساطة.
وفي سياق أوسع، يرى بشارات أن التهديد باغتيال الحية يعكس استمرار النهج الإسرائيلي القائم على استخدام القوة العسكرية والتهديدات الأمنية في التعامل مع الفلسطينيين، بدل معالجة جذور الصراع عبر مسار سياسي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ويضيف أن استمرار الاعتداءات والتهديدات، بالتوازي مع القيود المفروضة على حياة الفلسطينيين والاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة، "يعمّق حالة عدم الاستقرار ويجعل اتفاق لوقف إطلاق النار عرضة للتآكل ما لم تقترن الالتزامات المعلنة بإجراءات فعلية قابلة للتحقق والمساءلة".
دعاية انتخابية
من جانبه، يحذّر الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر من تداعيات تهديد كاتس باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، معتبرًا أن التهديدات تعيد إلى الواجهة مخاطر استهداف المفاوضين، في ظل استمرار الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
ويقول أبو جابر لصحيفة "فلسطين": إن "الدلالة السياسية الأبرز تكمن في أن التهديد لم يأتِ في فراغ، بل يستحضر واقعة استهداف الوفد المفاوض في الدوحة في سبتمبر 2025"، مشيرا إلى أن الوفد، برئاسة خليل الحية، كان يناقش حينها مقترحًا أمريكيا لوقف إطلاق النار، قبل أن تستهدفه غارة إسرائيلية.
ويضيف أن تلك الواقعة أكدت أن وجود قناة تفاوضية لا يمنع بالضرورة تنفيذ عمليات عسكرية، موضحًا أن تجدد التهديد باستهداف الحية يبعث برسالة إلى الوسطاء والمفاوضين مفادها أن "الحماية السياسية أو المكان الذي تجري فيه المشاورات قد لا يشكلان، في نظر حكومة الاحتلال، ضمانة كافية".
ويشير أبو جابر إلى أن التهديد يثير تساؤلات بشأن أهدافه، سواء أكانت ممارسة مزيد من الضغط على حماس، أم إحراج الوسطاء، أم مخاطبة الجمهور الإسرائيلي عبر إظهار "الحزم" مع اقتراب إجراء الانتخابات العامة.
ويحذّر من أن هذه التهديدات قد تؤدي إلى نتائج عكسية على مسار تثبيت وقف إطلاق النار وعلى خطة حصر سلاح غزة برمتها، مؤكدًا أن المفاوضات تحتاج إلى قنوات اتصال مستقرة وإلى حد أدنى من الثقة بسلامة المشاركين فيها.
ويقول إنه "حين يُهدَّد المفاوض بالاغتيال، لا يتعرض شخصه وحده للخطر، بل تتعرض فكرة التفاوض نفسها للتقويض".
ويدعو أبو جابر قطر ومصر والولايات المتحدة، إلى جانب الأطراف المعنية الأخرى، إلى تكثيف الجهود لحماية مسار الوساطة، والتواصل المباشر مع حكومة الاحتلال لوقف التهديدات، وتوضيح تبعات أي استهداف جديد للمفاوضين أو للأراضي التي تستضيف المحادثات.
/


