تلقي سياسات الإغلاق والحصار التي يفرضها الاحتلال بأثقالها على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني؛ إذ تتحول فترات ما تسمى الأعياد اليهودية وما يرافقها من تشديدات أمنية إلى أداة خنق إضافية تتعمق معها معاناة التجار، والعمال، وجميع القطاعات الإنتاجية.
ويؤكد الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم أن الأعياد اليهودية لا تقتصر آثارها على البعد المناسباتي، بل تعكس تكثيفاً للسياسات السلبية والممارسات الإسرائيلية المستمرة عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقييد حركة المواطنين للبضائع والأفراد.
ويوضح عبد الكريم في مقابلة مع صحيفة "فلسطين"، أن الضفة الغربية ترزح تحت وطأة نحو 1000 حاجز وبوابة عسكرية تُقطّع أواصرها، ما يحول دون تدفق الحركة الاقتصادية بسلاسة.
ويبين أن الإغلاقات لا تتسبب فقط في إهدار وقت المواطنين والعمال المتوقفين لساعات طويلة على الحواجز، بل ترتب كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، تشمل ارتفاع تكاليف السفر والتنقل سواء عبر مركبات النقل العام أو المركبات الخاصة نتيجة استهلاك كميات أكبر من الوقود جراء الأزمات والتعطيل.
كذلك ارتفاع أسعار السلع لانعكاس زيادة تكاليف الشحن والنقل المباشر على أسعار المستهلك النهائي.
إلى جانب ذلك تراجع الإنتاجية إذ إن تأخر الموظفين والعمال عن الوصول إلى المصانع والمزارع وأماكن عملهم في الوقت المناسب، يضعف طاقة العمل والإنتاج الكلية.
خسائر فادحة
وبناءً على تقديرات صادرة عن البنك الدولي، يوضح عبد الكريم أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناجمة عن إعاقة التنقل والحركة خلال فترة الأعياد اليهودية الممتدة منذ نحو أسبوعين فقط تُقدّر بنحو 150 مليون دولار .
وبشأن صورة المشهد الاقتصادي العام في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب عام 2023، يوضح الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد الفلسطيني تكبّد خسائر فادحة تسببت في انكماشه بنسبة تتراوح 28% من حجمه الكلي.
ويشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع من مستويات قاربت 20 مليار دولار إلى أقل من 13 مليار دولار حالياً، نتيجة لسياسات الحصار والإغلاق وتقطيع الأوصال، إلى جانب الإجراءات الإسرائيلية المقيدة كحجز أموال المقاصة ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم.
ويقول عبد الكريم، إنه بالرغم من الأضرار البالغة التي أصابت الضفة الغربية، فإن الكارثة الأكبر والأكثر إيلاماً تجسدت في إبادة الاقتصاد في قطاع غزة، إذ كان القطاع يسهم بنحو رُبع الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني قبل الحرب، ليصبح اليوم اقتصاداً متلاشياً لا يتعدى أن يكون بقايا نشاطات استهلاكية مبعثرة.
القطاعات المتضررة
وعن القطاعات الأكثر تضرراً واستنزافاً في الضفة الغربية منذ عام 2023، يبين الخبير الاقتصادي أن قطاعا الزراعة والصناعة تضررا بشدة جراء نقص المواد الخام، وصعوبة الوصول للأسواق، وتعطل حركة نقل البضائع، وارتباطهما المباشر بالتجارة الداخلية التي تراجعت بسبب انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
ويضيف إلى حديثه قطاع التجارة، إذ يعاني شللا نتيجة فقدان عمال الداخل لمصادر دخلهم، وصرف 50% فقط من رواتب موظفي القطاع العام، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين وتراجع المساعدات الدولية.
وينبه على أن قطاع النقل والمواصلات يُعد من أكثر القطاعات تضرراً بشكل مباشر، لوقوعه تحت قيود الحركة على الطرق، يضاف إلى ذلك الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات، إذ اقترب سعر لتر السولار من 9 شواكل والبنزين يتجاوز 8 شواكل.
أما قطاع السياحة فقد شهد انهياراً شبه كامل في المدن السياحية الرئيسة كـ (القدس، وأريحا، وبيت لحم، والخليل) وغياب السياحة الخارجية. في حين اقتصر النشاط السياحي على حركة تجارية بينية محدودة جداً يقودها فلسطينيو الداخل خلال العطلات والأعياد.
وينبه عبد الكريم على أن الاقتصاد الفلسطيني بجميع قطاعاته بات ضحية مباشرة لسياسة الاحتلال، سواء عبر أدوات الحصار المالي والإداري أو من خلال الممارسات الميدانية العنيفة من اجتياحات وتدمير للمخيمات والبنية التحتية.

