فلسطين أون لاين

حوار المدهون لـ"فلسطين": محاولات إلغاء "أونروا" تستهدف تحويل قضية اللاجئين إلى ملف خدماتي

...
رئيس مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات د. محمد المدهون
غزة/ حاوره يحيى اليعقوبي:

قال رئيس مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات د. محمد المدهون، إن محاولات إلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تتجاوز الخلاف بشأن إدارة المساعدات أو آلية تقديم الخدمات، وتمس مباشرة البعد السياسي والقانوني لقضية اللاجئين الفلسطينيين، محذرًا من تحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية وحقوقية ذات مرجعية أممية إلى ملف خدماتي وإغاثي.

وأضاف المدهون في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس أن أونروا لم تنشأ بقرار فلسطيني أو إقليمي، وإنما أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 302 لعام 1949، في سياق النكبة وقضية اللاجئين، وأن نقل وظائفها إلى مؤسسات دولية أو محلية متعددة، مع إضعاف حضورها أو إنهاء التعامل معها، يمكن أن يؤدي عمليًا إلى تغيير طبيعة التعامل مع قضية اللاجئين.

وتابع أن "جوهر القلق الفلسطيني" يتمثل في أن يجري التعامل مع اللاجئ باعتباره محتاجًا إلى خدمة، بدل التعامل معه باعتباره صاحب قضية وحقوق لم تُحل، مشيرًا إلى أن الحديث عن إقصاء أونروا يأتي في وقت ما زالت فيه الجمعية العامة متمسكة بولايتها، بل جُددت ولايتها مؤخرًا لثلاث سنوات.

وأشار إلى تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة، في 24 سبتمبر/أيلول 2026، دعمه الصريح لولاية أونروا، وتحذيره من أن قدرتها على العمل باتت مهددة بشدة.

وقال المدهون: "لذلك فالمسألة ليست: هل نريد أونروا أو لا؟ بل: من يملك حق إنهاء ولاية مؤسسة أنشأتها الجمعية العامة، في حين قضية اللاجئين التي جاءت في سياقها لم تُحل؟".

55510bf4-3306-49c3-b08d-06518098eddd.jpg
 

إنهاء أونروا

وأوضح المدهون أن التداعي الأخطر لإلغاء دور أونروا يتمثل في إضعاف الإطار الأممي المرتبط تاريخيًا بقضية اللاجئين، وتحويلها تدريجيًا من قضية سياسية وقانونية إلى قضية إنسانية وخدماتية.

وقال إن القرار 194 تناول عودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام، إلى جانب التعويض، بينما جاء إنشاء أونروا بعد ذلك في سياق الاستجابة لأزمة اللاجئين.

وأضاف: "إلغاء أونروا لا يعني قانونًا إلغاء حق العودة؛ فالحق لا يستمد وجوده من الأونروا. لكن إنهاء المؤسسة دون حل عادل لقضية اللاجئين قد يضعف حضور القضية في الواقع السياسي، ويفتح الباب أمام مقاربات تتعامل مع اللاجئين باعتبارهم مشكلة سكانية أو إنسانية يمكن حلها بالتعويض أو إعادة التوطين أو ترتيبات خدماتية، بدل معالجة جذور القضية وحقوق أصحابها".

وبيّن أن التداعيات في قطاع غزة ستكون إنسانية ومؤسسية كبيرة، موضحًا أن أونروا لا تقدم الغذاء فقط، وإنما تمتلك خبرة وبنية تحتية وشبكة خدمات وموظفين وعلاقة مباشرة بمجتمع اللاجئين.

وأضاف أن القائم بأعمال المفوض العام أكد أخيرًا أن خبرة الوكالة وبنيتها التحتية وثقة المجتمع بها موارد ضرورية ينبغي إتاحة المجال لها لتوظيفها.

وقال المدهون: "لذلك فإن القضية في جوهرها ليست قضية وكالة مقابل بدائل، وإنما هل يكون مستقبل اللاجئين جزءًا من حل سياسي عادل، أم يجري تحويلهم إلى ملف خدماتي تحت ترتيبات انتقالية متعددة الأطراف؟".

مؤسسات بديلة

وفيما يتعلق بدعم مؤسسات أخرى لتكون بديلة عن أونروا، لفت إلى أن ما يمكن رصده هو توسيع مساحة عمل جهات ومؤسسات أخرى في مجالات الإغاثة والصحة والغذاء والتعليم والخدمات، بالتوازي مع الضغط على الأونروا ماليًا وسياسيًا وتشغيليًا.

وأوضح أن مشاركة منظمات دولية أو محلية في تقديم الخدمات ليست مشكلة بحد ذاتها، بل قد تكون ضرورية في أوقات الطوارئ، "لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه البدائل المؤقتة إلى بنية دائمة يُراد منها الاستغناء عن أونروا نفسها".

وأضاف أن القرار 302 نفسه نص على تعاون أونروا مع منظمات ووكالات أممية أخرى، ومنها منظمة الصحة العالمية واليونيسف واليونسكو وغيرها، وبالتالي فإن وجود هذه المؤسسات ليس دليلًا بذاته على مشروع لإلغاء أونروا.

وأشار إلى أن التطورات الحالية تستدعي التدقيق في وظيفة البديل واتجاهه السياسي: "هل هو تكامل مع أونروا لسد الاحتياجات؟ أم إحلال تدريجي لوظائفها تمهيدًا لإنهاء حضورها؟".

العجز المالي

وقال المدهون إن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة مع وجود تخطيط دولي للمرحلة الانتقالية وإعادة إعمار غزة، ومع ورود تقارير عن اجتماعات غير معلنة بين ممثلين عن "مجلس السلام" ومسؤولين في أونروا، رغم تهميش الوكالة علنًا في بعض الترتيبات.

وشدد على أن المطلوب ليس رفض أي مؤسسة تقدم خدمة للاجئين، وإنما رفض تحول البدائل من أدوات إسناد لأونروا إلى أدوات إحلال عنها.

وأضاف: "فالإغاثة يمكن أن تتعدد مؤسساتها، أما ولاية أونروا ومرجعيتها الأممية فلا ينبغي أن يجري شطبهما عبر ترتيبات خدماتية أو مالية. والأهم أن معالجة العجز المالي يجب أن تكون جزءًا من المواجهة، لا ذريعة لإنهاء الوكالة؛ فالأمين العام أعلن أخيرًا أن العجز النقدي يبلغ 100 مليون دولار ودعا الدول إلى دعم الوكالة سياسيًا وماليًا وحماية قدرتها على تنفيذ ولايتها".

وخلال حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، اضطلعت "الأونروا" بتنسيق دخول المساعدات إلى الأراضي الفلسطينية المحاصرة وتوزيعها، قبل أن تؤدي الإجراءات الإسرائيلية ضدها إلى إضعاف هذا الدور إلى حد كبير، مع حظر دخول موظفيها الدوليين والمساعدات الإنسانية إلى غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين