فلسطين أون لاين

ملعب اليرموك.. ذاكرة الرياضة الفلسطينية في غزة بين المجد والدمار

...
ملعب اليرموك.. ذاكرة الرياضة الفلسطينية في غزة بين المجد والدمار
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

رغم أن غزة لم تسلم من الحروب على مدار تاريخها، فإنها ظلت مدينة تنبض بالحياة، وتتمسك بالإرادة والتحدي، ويحمل شبابها هموم الوطن وطموحاته. 

وعلى الرغم من قسوة الظروف والمعاناة المتواصلة، استطاعت غزة أن تفرض حضورها في مختلف المجالات، وكانت الرياضة واحدة من أبرز المساحات التي جسدت صمود أهلها وشغفهم بالحياة.

وتعود البدايات المنظمة للحركة الرياضية في القطاع إلى عقود طويلة، إذ تأسس نادي غزة الرياضي عام 1934، ليصبح لاحقا معروفا بلقب "عميد أندية فلسطين"، في واحدة من أقدم المحطات في تاريخ الرياضة الفلسطينية، قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948.

وفي ظل الإدارة المصرية لقطاع غزة، جرى تدشين ملعب اليرموك عام 1952، ليصبح منذ ذلك الحين أحد أبرز معالم الحياة الرياضية في المدينة، وأكبر الساحات الرياضية المفتوحة فيها. 

احتضن الملعب على مدار عقود مباريات الدوري الفلسطيني والبطولات الرسمية، إلى جانب العديد من الأحداث والفعاليات الرياضية الكبرى، ليشكل مركزا أساسيا للحركة الرياضية في قطاع غزة.

غير أن أهمية ملعب اليرموك لم تقتصر على الرياضة وحدها، فقد تحول مع مرور السنوات إلى فضاء مجتمعي جامع، احتضن مهرجانات ثقافية ومناسبات وطنية وفعاليات شعبية وأفراحا جماعية، فضلا عن احتفالات أعياد النصر خلال فترة الإدارة المصرية للقطاع، والتي استمرت حتى احتلال غزة عام 1967.

من أرض ترابية إلى منشأة رياضية

ظل ملعب اليرموك بأرضية ترابية لعقود، قبل أن يشهد عام 2010 تحولا مهما مع تعشيبه وتنفيذ عدد من مشاريع التطوير والتأهيل التي هدفت إلى الارتقاء بمرافقه وتحسين قدرته على استضافة المنافسات الرياضية.

وشملت أعمال التطوير إعادة تأهيل المدرجات والمرافق المتضررة، وتحسين البنية التحتية للأرضية العشبية وساحات التدريب، وتجهيز مرافق ملائمة للأشخاص ذوي الإعاقة، وإنشاء ممرات ومظلات ومرافق خدمية، إلى جانب إدخال أنظمة إنارة حديثة تسمح باستخدام الملعب خلال ساعات الليل.

كما شملت عمليات التطوير تعزيز منظومة الأمن والسلامة ومراقبة الدخول، وإنشاء مساحات تدريبية ملحقة مخصصة للفئات العمرية الصغيرة والناشئين، بما عزز مكانة الملعب كمنشأة رياضية تخدم مختلف الفئات والأعمار.

ولم تكن مسيرة الملعب خالية من الاستهداف الإسرائيلي، ففي عام 2012 تعرض للقصف خلال العدوان على قطاع غزة، قبل أن يخضع لاحقا لأعمال ترميم وإعادة تأهيل للأجزاء التي تضررت.

مضمار دولي لألعاب القوى

وفي عام 2018، شهد ملعب اليرموك إضافة رياضية مهمة تمثلت في تنفيذ مشروع لإنشاء مضمار دولي لألعاب القوى، عُدّ الأول من نوعه في فلسطين، بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP وبالتعاون مع الاتحاد الفلسطيني لألعاب القوى.

ويمتد المضمار لمسافة 400 متر، ويضم 6 حارات بعرض إجمالي يبلغ نحو 7 أمتار، إلى جانب مناطق مخصصة لمجموعة من مسابقات ألعاب القوى، من بينها دفع الجلة، والوثب الطويل، والقفز على الحواجز، وسباقات المشي.

وبذلك لم يعد الملعب مجرد ساحة لمباريات كرة القدم، بل أصبح منشأة رياضية متعددة الاستخدامات، تستوعب عددا من الأنشطة والمسابقات، وتوفر مساحة مهمة لتدريب الرياضيين والناشئين في قطاع غزة.

شاهد على الحرب

ومع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، تعرض ملعب اليرموك مجددا لأضرار بالغة، وخلال الاجتياح البري لمدينة غزة عام 2024، اقتحمت دبابات وقوات الاحتلال محيط الملعب، وتعرضت أرضيته ومرافقه وأجزاء من بنيته التحتية للتخريب والدمار.

لكن الصور التي خرجت من الملعب خلال تلك الفترة جعلت اسمه حاضرا في المشهد العالمي بصورة مختلفة تماما عن تلك التي اعتادها الرياضيون والجماهير.

فقد وثقت وسائل إعلام مشاهد لاحتجاز جنود الاحتلال مجموعات من الشبان داخل الملعب، حيث ظهر بعضهم مجردين من ملابسهم ومعصوبي الأعين، في مشهد أثار إدانات وانتقادات واسعة.

مأوى للنازحين

اليوم، لا يزال المشهد في ملعب اليرموك مؤلما بالنسبة إلى الغزيين الذين ارتبطت ذاكرتهم به لعقود، ففيه اعتاد المشجعون التجمع لمتابعة مباريات كرة القدم، وفيه صنعت الأندية واللاعبون ذكرياتهم، وهنا تعالت هتافات الجماهير في البطولات والمناسبات الرياضية.

لكن الحرب غيّرت وظيفة المكان، فالملعب الذي كان يستقبل آلاف المشجعين ويحتضن المنافسات الرياضية، تحول إلى مركز لإيواء النازحين الذين فقدوا منازلهم بسبب الحرب، في صورة تختصر حجم التحول الذي أصاب الحياة اليومية في غزة؛ من مدرجات تهتف للفرق واللاعبين إلى خيام ومساكن مؤقتة تبحث عن الأمان.

محاولة لاستعادة الحياة الرياضية

ورغم حجم الدمار والمخاطر التي واجهتها طواقمها خلال سنوات الحرب، لم تتوقف جهود بلدية غزة، التي تعمل على وضع رؤية مستقبلية لإعادة تطوير مرافقها في المدينة، ومن بينها ملعب اليرموك.

وتبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل المنشأة باعتبارها جزءا من محاولة أوسع لاستعادة النشاط الرياضي في القطاع، بعد أن توقفت البطولات وتشتت الفرق واللاعبون وفقدت الجماهير ملاعبها.

فالرياضيون في غزة لا يحتاجون فقط إلى ملاعب جديدة، بل إلى استعادة المساحة التي تجمعهم، وإعادة إطلاق البطولات والمسابقات، وفتح المدرجات أمام الجماهير من جديد، وإعادة بناء منظومة الرياضة التي تضررت بشدة خلال الحرب.

وخلال حرب الإبادة على غزة، تعرضت 264 منشأة رياضية للتدمير ما جعل تنظيم البطولات والأنشطة الرياضية أمرا بالغ الصعوبة، في ظل النقص الحاد في الملاعب والمنشآت والمرافق المناسبة.

وبينما تنتظر غزة مرحلة إعادة الإعمار وتوفير الدعم اللازم للقطاع الرياضي، يبقى ملعب اليرموك أكثر من مجرد منشأة رياضية، فهو جزء من ذاكرة مدينة، ووجه من وجوه الحياة الفلسطينية، ومكان ارتبطت به أجيال من الرياضيين والجماهير.

485711de-6958-4324-86ca-461fcac00191.jpg
47d4fba1-f913-444e-8967-af058cd6808a.jpg
 

المصدر / فلسطين أون لاين