لم تكن المقاعد الفارغة أمام بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة مجرد مشهد احتجاجي؛ كانت إعلانًا سياسيًا صامتًا بأن شيئًا عميقًا تبدّل في صورة إسرائيل أمام العالم.
بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة على غزة، لم يعد نتنياهو يقف أمام العالم الذي احتضن الرواية الإسرائيلية في الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل أمام عالم أكثر تشككًا، وأقل استعدادًا لمنح إسرائيل الغطاء السياسي ذاته، وأكثر استعدادًا لمساءلتها عما جرى في غزة.
فإسرائيل التي حظيت في بداية الحرب بدعم سياسي وعسكري واسع من الولايات المتحدة وعدد من الحكومات الغربية، بدأت تدريجيًا تفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في الرواية الدولية.
ولم يعد التحول مقتصرًا على خصومها التقليديين، بل امتد إلى دول عُرفت طويلًا بأنها من أصدقائها وحلفائها.
خلال العامين الماضيين، اتخذت حكومات غربية خطوات أكثر وضوحًا تجاه القضية الفلسطينية، من الاعتراف بدولة فلسطين إلى إجراءات مرتبطة بالمستوطنات وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية، وصولًا إلى تصاعد الانتقادات العلنية للحرب على غزة.
هذه التحولات لا تعني أن إسرائيل فقدت حلفاءها بالكامل؛ فالولايات المتحدة ما تزال توفر لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، كما أن علاقاتها مع عدد من الدول الغربية ما تزال قوية. لكن الفارق الجوهري أن الدفاع عنها لم يعد بالسهولة التي كان عليها في الأسابيع الأولى للحرب، وأصبحت كلفة الاصطفاف معها أعلى سياسيًا وأخلاقيًا أمام قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.
في خطابه أمام الأمم المتحدة، حاول نتنياهو إعادة إنتاج السردية نفسها: إسرائيل تدافع عن نفسها، تستهدف حماس، تحمي المدنيين، وتواجه حملة أكاذيب. لكنه يتحدث اليوم في واقع مختلف جذريًا.
فالصور القادمة من غزة، وحجم الدمار، وأعداد الضحايا، والنزوح الواسع، والجوع، وانهيار قطاعات حيوية من الحياة المدنية، جعلت الدفاع عن الرواية الإسرائيلية أكثر صعوبة. كما أن الملف لم يعد مجرد سجال إعلامي؛ فقد انتقل إلى المحاكم والمؤسسات الدولية وتقارير المنظمات الأممية والإنسانية، وإلى البرلمانات والنقاشات السياسية داخل دول ما دامت قد وفرت لإسرائيل غطاءً واسعًا.
وحين ينفي نتنياهو اتهامات الإبادة ويقدم إسرائيل بوصفها الطرف الذي يحمي المدنيين، فإنه يصطدم بواقع قانوني وإنساني لا يمكن اختزاله بخطاب. صحيح أن محكمة العدل الدولية لم تصدر حتى الآن حكمًا نهائيًا يقرر وقوع جريمة إبادة جماعية، لكن القضية باتت مطروحة أمام أعلى هيئة قضائية دولية، وصدرت تدابير مؤقتة تتعلق بمنع الأفعال التي قد تقع ضمن نطاق اتفاقية الإبادة وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
كما تراجعت قوة رواية الاستيلاء المنهجي لحماس على المساعدات، بعدما لم تجد مراجعات أميركية أدلة على تحويل منهجي للمساعدات إليها، بما أضعف واحدة من أكثر الحجج استخدامًا في تفسير الكارثة الإنسانية داخل القطاع.
بعد ثلاث سنوات، لم تعد معركة إسرائيل عسكرية فقط؛ إنها معركة على الشرعية والصورة والرواية، وهنا يبدو مأزقها أكبر مما تريد الاعتراف به.
يمكن للقوة أن تفرض احتلالًا، وأن تدمر مدينة، وأن توسع مساحة الخراب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل العالم يتجاهل ما شاهده طوال ثلاث سنوات.
ولهذا كانت المقاعد الفارغة أكثر بلاغة من خطاب نتنياهو نفسه. فالمشكلة لم تعد فقط في أن بعض الوفود غادرت القاعة، بل في أن الرواية الإسرائيلية فقدت شيئًا أساسيًا من قدرتها على الإقناع، حتى داخل دوائر كانت الأقرب إليها.
بعد غزة، لم يعد السؤال: هل تستطيع إسرائيل فرض الوقائع بالقوة؟ بل: هل تستطيع بعد كل ما حدث أن تفرض تفسيرها لهذه الوقائع أيضًا؟
والإجابة التي تتشكل في المحاكم والجامعات والبرلمانات والشوارع وفي مواقف دول كانت يومًا أكثر قربًا منها، تقول إن القوة تستطيع أن تصنع واقعًا على الأرض، لكنها لا تستطيع إلى الأبد أن تصنع حقيقة موازية له.

