فلسطين أون لاين

غزة تكشف اتساع العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية

...
انسحاب الوفود الدبلوماسية في بداية خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة
نيويورك-غزة/ عبد الله التركماني:

لا يقتصر معنى انسحاب الوفود الدبلوماسية في بداية خطاب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة الخميس الماضي، على كونه احتجاجًا بروتوكوليًا، بل يعبّر عن رفض منح نتنياهو منصة سياسية طبيعية في وقت تواجه فيه (إسرائيل) اتهامات دولية واسعة بشأن سلوكها العسكري في غزة، وانتقادات متزايدة بسبب التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين في الضفة الغربية. كما يعكس انتقال الاعتراض من بيانات الإدانة إلى فعل رمزي مرئي داخل أهم محفل دبلوماسي عالمي.

في المقابل، حاول نتنياهو تحويل مشهد القاعة إلى مادة تعبئة سياسية أمام الجمهور الإسرائيلي. فقد جاء خطابه قبل أسابيع قليلة من الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، وسط استطلاعات تشير إلى تراجع كتلة ائتلافه أمام منافسيه. وبذلك بدا الخطاب مزدوج الجمهور: رسالة إلى الداخل تقول إن نتنياهو يقف في مواجهة العالم خدمة لـ(إسرائيل)، ورسالة إلى الخارج تنكر الاتهامات وتهاجم الدول والقادة الذين ينتقدون حكومته.

وخارج مبنى الأمم المتحدة، تجمع مئات المحتجين، وردد بعضهم شعارات مثل "أوقفوا تسليح (إسرائيل)، دعوا غزة تعيش"، قبل أن تتدخل الشرطة وتحتجز عددًا من المشاركين. ويعزز هذا المشهد، داخل القاعة وخارجها، الانطباع بأن زيارة نتنياهو لم تكن مناسبة دبلوماسية عادية، بل مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة حول الحرب الفلسطينية الإسرائيلية وتداعياتها القانونية والإنسانية.

الخطاب الإسرائيلي لم يعد مقبولًا

وقال الخبير في الشأن الإسرائيلي وديع أبو نصار لصحيفة "فلسطين" إن انسحاب الوفود من قاعة الجمعية العامة عند بدء كلمة نتنياهو لا يمكن اختزاله في خلاف بروتوكولي أو في حركة رمزية عابرة، بل يمثل، في تقديره، "تصويتًا سياسيًا وأخلاقيًا على مستوى العالم ضد الرواية التي يحاول نتنياهو تسويقها عن الحرب في غزة".

وأضاف أن المشهد أظهر أن نتنياهو "لم يعد يدخل إلى الأمم المتحدة بوصفه ممثلًا لدولة تواجه أزمة أمنية فحسب، بل بوصفه قائد حكومة مرتبطة في الوعي الدولي بدمار غزة وتجويع المدنيين وتوسيع الاستيطان والإفلات من المحاسبة".

وأوضح أبو نصار أن نتنياهو حاول بناء خطابه على معادلة واضحة: (إسرائيل) "ضحية" مزعومة، وكل من ينتقدها متهم بما تسمى معاداة السامية أو دعم المقاومة. وقال: "هذه المعادلة لم تعد تقنع قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، لأن الصور القادمة من غزة والوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية سبقت الخطاب السياسي".

ورأى أن إنكار نتنياهو اتهامات الإبادة الجماعية وتقديم المساعدات واللقاحات باعتبارها دليل براءة لا يجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بحجم الضحايا، وتدمير البنية المدنية، وعرقلة الإغاثة، وتهجير السكان. وقال: "لا يمكن لذكر بعض التحذيرات أو إدخال كميات من المساعدات أن يمحو حقيقة أن المدنيين الفلسطينيين دفعوا الثمن الأكبر، وأن القانون الدولي لا يمنح أي حكومة رخصة مفتوحة لفعل ما تشاء بحجة الدفاع عن النفس".

وأضاف أن تقليل نتنياهو من عنف المستوطنين يكشف "محاولة لإدارة الأزمة لا لمعالجتها"، لأن المشكلة ليست في عدد المعتدين فقط، بل في بيئة سياسية وأمنية تسمح بتوسيع المستوطنات وفرض وقائع جديدة على الأرض. وتابع: "حين يوصف الاعتداء على الفلسطينيين بأنه شغب من مراهقين، بينما تُحاصر المدن والقرى ويُقتلع الزيتون وتُصادر الأرض، فإن الرسالة هي أن حياة الفلسطيني وملكيته أقل قيمة في حسابات حكومة الاحتلال".

وقال أبو نصار إن الخطاب كان موجهًا إلى الناخب الإسرائيلي بقدر ما كان موجهًا إلى المجتمع الدولي، مشيرًا إلى أن نتنياهو "يحتاج إلى صورة الزعيم المحاصر كي يعيد تقديم نفسه باعتباره الحارس الوحيد للأمن". لكنه اعتبر أن هذه الاستراتيجية تحمل ثمنًا دوليًا كبيرًا، لأن (إسرائيل) تبدو أكثر اعتمادًا على التصعيد والاتهام وأقل قدرة على تقديم مسار سياسي. وختم بالقول: "انسحاب الوفود لم يسكت نتنياهو، لكنه كشف أن العالم لم يعد مستعدًا للجلوس بصمت والاستماع إلى خطاب يطلب التضامن مع (إسرائيل) من دون أي التزام بحقوق الفلسطينيين أو بوقف الحرب".

العزلة كمسار سياسي

من ناحيته، قال الخبير في الشأن الإسرائيلي إبراهيم أبو جابر لصحيفة "فلسطين" إن كلمة نتنياهو أمام الجمعية العامة كشفت اتساع الفجوة بين حكومة الاحتلال والبيئة الدولية، معتبرًا أن انسحاب الوفود "أصبح مشهدًا سياسيًا قائمًا بذاته، لأن الدول التي غادرت القاعة أرادت القول إن الاحتلال والحرب على غزة لا يمكن تطبيع حضورهما عبر منصة الأمم المتحدة".

وأضاف أن (إسرائيل) تعيش "عزلة متصاعدة لا تقتصر على الشارع العربي أو على الدول التي كانت تنتقدها تقليديًا، بل تمتد إلى عواصم غربية كانت لسنوات توفر لها الغطاء السياسي والعسكري".

وأوضح أبو جابر أن نتنياهو لم يقدم في خطابه مبادرة لوقف الحرب أو إطارًا لإنهاء الاحتلال، بل أعاد إنتاج خطاب أمني يقوم على التخويف من إيران وحماس وحزب الله، وعلى مطالبة الآخرين بالاصطفاف خلف (إسرائيل). وقال: "المشكلة أن نتنياهو يتحدث عن أمن (إسرائيل) وكأن الأمن حق إسرائيلي حصري، بينما يُطلب من الفلسطينيين أن يعيشوا تحت الاحتلال والحصار والقصف وأن يثبتوا أولًا أنهم يستحقون الحياة والحرية".

وأضاف أن هجوم نتنياهو على قطر وتركيا والقادة الأوروبيين ورئيس بلدية نيويورك يعكس انتقال حكومة الاحتلال من تبرير سياساتها إلى مهاجمة كل جهة تكشف نتائجها. وتابع: "عندما يصبح كل وسيط متهمًا، وكل صحفي كاذبًا، وكل حكومة أوروبية ضعيفة أو معادية للسامية، فهذا يعني أن حكومة نتنياهو لم تعد تملك جوابًا سياسيًا عن سؤال بسيط: ماذا ستفعلون لإنهاء معاناة الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال؟".

وأشار أبو جابر إلى أن الإجراءات الغربية ضد المستوطنات، والجدل حول مذكرات التوقيف، وتصاعد الاعتراف الدولي بحقوق الفلسطينيين، كلها مؤشرات على أن العزلة تتحول من خطاب إعلامي إلى كلفة سياسية واقتصادية وقانونية. وقال: "قد تستمر الولايات المتحدة في تقديم دعم مهم لـ(إسرائيل)، لكن الدعم الأميركي لا يستطيع وحده إعادة بناء شرعية دولية فقدتها حكومة الاحتلال بسبب استمرار الحرب والاستيطان ورفض المسار السياسي".

ورأى أن الخطاب يخدم نتنياهو انتخابيًا على المدى القصير، لأنه يمنحه فرصة للظهور بمظهر القائد الذي يواجه خصومًا خارجيين، لكنه لا يعالج أزمة (إسرائيل) العميقة. وقال: "نتنياهو يحاول تحويل القاعة الفارغة إلى وسام شجاعة، لكن القاعة الفارغة في الحقيقة شهادة على فشل الدبلوماسية الإسرائيلية. الزعيم الذي يصف عشرات الوفود بالجبن لا يستطيع أن يخفي أن هذه الوفود تمثل حكومات وشعوبًا سئمت من رؤية الفلسطينيين يُقتلون ثم سماع تبريرات لا تنتهي".

وختم أبو جابر بالقول إن انسحاب الوفود يحمل رسالة تتجاوز نتنياهو شخصيًا: "العالم يقول إن القضية الفلسطينية عادت إلى مركز النظام الدولي، وإن أي حديث عن السلام لا معنى له إذا لم يبدأ بوقف العدوان وحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال وفتح طريق حقيقي لدولة فلسطينية مستقلة. أما استمرار إنكار المأساة، فلن ينتج أمنًا لـ(إسرائيل)، بل سيعمق عزلتها ويزيد اتساع الفجوة بينها وبين الشعوب والحكومات"

المصدر / فلسطين أون لاين