يؤكد الناشط والباحث الحقوقي بشار القريوتي، أن الاحتلال الإسرائيلي وجماعاته الاستيطانية وأذرعه الأمنية، يستخدمون منظومة استيطان كاملة للسيطرة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. وتشمل المنظومة، وفق تأكيده: بناء وحدات استيطانية، ومصادرة أراضٍ، وشق طرق جديدة، وإنشاء بؤر صغيرة تتحول لاحقًا إلى مستوطنات كبيرة.
وأضاف القريوتي في حديثه لصحيفة "فلسطين" بشأن تصاعد وتيرة الاستيطان: "منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يعد الاستيطان مجرد زيادة في عدد الوحدات، وإنما انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة لفرض الوقائع على الأرض".
وبحسبه، "فقد توسعت عمليات إنشاء البؤر الاستيطانية، خصوصًا الزراعية والرعوية، ورافقها شق طرق جديدة، وازدادت الاعتداءات على المزارعين والرعاة، بالتزامن مع إجراءات للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي".
"والأخطر أن الاستيطان أصبح في كثير من المناطق يتم بطريقة تدريجية؛ يبدأ ببؤرة صغيرة، ثم طريق، ثم منشآت وبنية تحتية، وبعد ذلك تتحول المنطقة إلى واقع استيطاني يصعب تغييره"، وفق القريوتي.
مشاريع استيطانية خطرة
وفيما يتعلق بأخطر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس التي يركز الاحتلال على تثبيتها وإقامتها، قال الناشط والباحث الحقوقي: "هناك عدة مشاريع يجب التوقف عندها، وفي مقدمتها مشروع (E1) شرق القدس المحتلة، لما له من تأثير مباشر في التواصل الجغرافي بين القدس وبقية مدن الضفة الغربية".
كما أشار إلى التوسع في المستوطنات الإسرائيلية القائمة وإنشاء بؤر جديدة في مناطق مختلفة من الضفة، إضافة إلى التوسع في الأغوار ومناطق جنوب نابلس، واستخدام البؤر الزراعية والرعوية وسيلة للسيطرة على الأراضي.
وشدد على أن الطرق الاستيطانية والمستوطنات والبؤر ومصادرة الأراضي والقيود على حركة الفلسطينيين، كلها أجزاء من منظومة واحدة تؤدي في النهاية إلى تغيير الخريطة الجغرافية للضفة الغربية.
وبشأن الأهداف التي تسعى حكومة الاحتلال إلى تحقيقها من وراء عمليات الاستيطان، قال القريوتي: إن "الهدف الأساسي، كما أراه على الأرض، هو خلق وقائع جديدة تجعل السيطرة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الضفة أمرًا واقعًا".
وتابع: "الاستيطان لا يتعلق فقط ببناء وحدات للمستوطنين، وإنما بالسيطرة على الأرض والطرق ومصادر المياه والمناطق المرتفعة والممرات التي تربط المدن والقرى، وعندما يتم فصل القرى الفلسطينية عن أراضيها أو عن بعضها البعض، تصبح القضية أكبر من مجرد مستوطنة جديدة؛ نحن نتحدث عن تغيير تدريجي في طبيعة المنطقة وتركيبتها الجغرافية والديموغرافية".
وبين أن وتيرة الإعلان عن الأراضي التي سيطر عليها الاحتلال، كـ"أراضي دولة" ارتفعت بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب، وقد شهد عام 2024 مستويات غير مسبوقة في السيطرة على الأراضي، إضافة إلى مساحات واسعة تتم السيطرة عليها فعليًا من خلال البؤر والطرق الاستيطانية.
لكن كيف ينعكس توسيع المشاريع الاستيطانية على الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس؟
يجيب القريوتي قائلاً: "الانعكاس مباشر على حياة الناس، فالمزارع يخسر إمكانية الوصول إلى أرضه، والراعي يفقد مناطق الرعي، والقرية تُحاصر بالطرق والبوابات، ويصبح التنقل بين القرى والمدن أكثر صعوبة".
وفي بعض المناطق -وما يزال القول للقريوتي- لا يحتاج الاحتلال إلى مصادرة الأرض بشكل مباشر؛ يكفي أن تصبح الأرض محاطة بالبؤر والطرق والمستوطنين حتى يصبح الوصول إليها شبه مستحيل.
وهذا يؤدي في النهاية إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في الأرض، خصوصًا في المناطق الزراعية والرعوية، وفق تأكيده.
ولا تقتصر تداعيات التوسع الاستيطان على مصادرة الأرض، بل تشمل تأثيرات كبيرة على الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والوصول إلى الخدمات، وعلى حياة العائلات التي تعيش في المناطق المحاذية للمستوطنات.
صراع يخدم الاستيطان
وعن إمكانية اتخاذ حكومة نتنياهو توسعة المشاريع الاستيطانية وسيلة لإرضاء اليمين في انتخابات الكنيست المقررة الشهر المقبل، يؤكد الباحث والناشط الحقوقي أن كل مشروع استيطاني صدر ليس فقط لأسباب انتخابية، لأن هناك مشروعًا استيطانيًا وسياسة توسع قائمة منذ سنوات طويلة.
واستدرك القريوتي: "لكن من الواضح أن الاستيطان أصبح جزءًا أساسيًا من الصراع السياسي داخل (إسرائيل)، وهناك قوى سياسية إسرائيلية تدفع باتجاه زيادة الاستيطان وفرض السيطرة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية".
وتابع: "ومع اقتراب الانتخابات، فإن أي تسريع لمشاريع استيطانية كبيرة يمكن أن يُقرأ أيضًا في إطار محاولة حكومة الاحتلال للمحافظة على دعم التيار اليميني والاستيطاني. لكن بالنسبة لنا كفلسطينيين، القضية ليست فقط الانتخابات الإسرائيلية؛ القضية هي أن كل قرار استيطاني جديد يتحول إلى واقع على الأرض يؤثر على مستقبلنا وحقوقنا".
وعن سبل مواجهة مخططات الاحتلال الاستيطانية، أكد القريوتي أن المواجهة تبدأ أولاً من الحفاظ على الأرض وتوثيق ما يحدث عليها.
وأكد "أننا بحاجة إلى منظومة فلسطينية متكاملة توثق كل اعتداء وكل بؤرة وكل طريق استيطاني وكل عملية تجريف أو مصادرة، باستخدام الصور والخرائط والوثائق الرسمية وشهادات السكان".
وفي الوقت نفسه، يجب دعم صمود المزارعين والسكان في المناطق المهددة، لأن بقاء الإنسان الفلسطيني على أرضه هو خط الدفاع الأول عنها.
وأكد ضرورة نقل ما يجري على الأرض إلى المؤسسات الدولية والحقوقية، وعدم التعامل مع كل حادثة باعتبارها منفردة، بل ربطها ضمن خريطة واضحة تبين كيف تتوسع المستوطنات والبؤر والطرق على حساب الأراضي الفلسطينية.
ووفق ما يراه القريوتي، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تصبح السيطرة على الأرض أمرًا اعتياديًا، لذلك علينا أن نوثق، ونحافظ على الأرض، ونُبقي القضية حاضرة أمام المجتمع الدولي، والحيلولة دون أن تتحول الوقائع التي تُفرض اليوم إلى حقائق نهائية في المستقبل.

