كشفت دراسة جديدة أجرتها جامعة "تل أبيب"، استناداً إلى بيانات المكتب المركزي للإحصاء في( إسرائيل)، عن ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطباء الذين غادروا (إسرائيل) خلال الأعوام الأخيرة، في مؤشر على تصاعد هجرة الكفاءات البشرية، بما قد يفرض تداعيات متزايدة على القطاع الصحي والاقتصاد الإسرائيلي.
وأفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، اليوم الأحد، بأن نحو 1,369 طبيباً غادروا (إسرائيل) خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، مشيرة إلى أن هذا العدد يمثل ارتفاعاً بنسبة 94% مقارنة بمستويات هجرة الأطباء خلال فترة مماثلة في العقد السابق.
وبحسب الدراسة، غادر 419 طبيباً خلال عام 2023، فيما ارتفع العدد إلى 530 طبيباً عام 2024، قبل أن يصل إلى نحو 420 طبيباً خلال عام 2025، وفق تقدير أولي لم تستكمل بياناته بعد.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ظل اعتماد (إسرائيل) على الكفاءات البشرية في القطاعات الحيوية، إذ تشير الدراسة إلى أن جزءاً متزايداً من الأطباء المغادرين يتمتعون بخبرة مهنية طويلة، ما يجعل تعويضهم أكثر صعوبة، وفق الباحثين.
ويقارن معدو الدراسة أعداد الأطباء المغادرين بحجم الطواقم الطبية في عدد من المستشفيات الإسرائيلية، موضحين أن عدد من غادروا خلال السنوات الثلاث الأخيرة يتجاوز إجمالي عدد الأطباء العاملين في بعض المراكز الطبية الكبيرة.
وتشير الدراسة إلى أن مستشفى "شعاري زيديك" يضم نحو ألف طبيب، فيما يضم "سوروكا" نحو 900 طبيب، و"شامير" نحو 630 طبيباً، ما يعني أن حجم الهجرة المسجل خلال فترة قصيرة بات يوازي طواقم طبية كبيرة.
ويرى الباحثون أن مغادرة الأطباء لا تنعكس على القطاع الصحي فقط، وإنما قد تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى تعتمد على رأس المال البشري المتخصص، خصوصاً إذا استمرت أعداد المغادرين في الارتفاع ولم تترافق معها عودة مماثلة للكفاءات.
وقال البروفيسور إيتاي أتر، أحد معدي الدراسة، إن استمرار مغادرة الأطباء قد يؤدي إلى زيادة فترات الانتظار وتراجع مستوى الخدمات الطبية، محذراً من تداعيات طويلة الأمد على النظام الصحي.
ضغط إضافي على منظومة الاحتلال
وتأتي هذه المعطيات في وقت تواجه فيه (إسرائيل) ضغوطاً متراكمة منذ الحرب على غزة، انعكست، وفق الدراسة، على أنماط الهجرة وحركة الكفاءات البشرية.
ويحذر الباحثون من احتمال تحول هجرة الأطباء إلى ظاهرة متصاعدة، بفعل ما وصفوه بـ"تأثير كرة الثلج"، إذ يمكن لزيادة أعداد المغادرين أن تشجع آخرين على اتخاذ القرار ذاته، ما يجعل عكس اتجاه الهجرة أكثر صعوبة.
ولا تقتصر أهمية هذه الظاهرة، من منظور فلسطيني، على انعكاساتها الاقتصادية أو الصحية داخل (إسرائيل)، إذ إن استمرار نزيف الكفاءات يمكن أن يشكل عاملاً إضافياً يضغط على قدرة الاحتلال على الحفاظ على موارده البشرية المتخصصة، ويزيد من كلفة إدارة منظومته المدنية والعسكرية على المدى الطويل.
وبهذا المعنى، فإن تراجع قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بالكفاءات، بالتزامن مع انخفاض معدلات العودة، يمكن أن يمثل تطوراً يصب في مصلحة الفلسطينيين، إذا تحول إلى اتجاه مستمر يؤثر في قدرة الاحتلال على الحفاظ على عناصر القوة البشرية والاقتصادية التي يعتمد عليها.
هجرة الكفاءات تتجاوز الأطباء
وتشير أبحاث سابقة للفريق ذاته إلى أن ظاهرة الهجرة لا تقتصر على الأطباء، وإنما تشمل فئات من حملة الدكتوراه والمهندسين والأكاديميين وأصحاب الدخول المرتفعة.
وبحسب البيانات التي استند إليها الباحثون، غادر نحو 100 ألف إسرائيلي البلاد خلال عامي 2023 و2024، بمتوسط يقارب 50 ألف شخص سنوياً، بالتزامن مع تباطؤ في أعداد العائدين.
ويرى الباحثون أن اجتماع ارتفاع أعداد المغادرين مع انخفاض أعداد العائدين يفاقم ما يصفونه باستنزاف رأس المال البشري، وهو عنصر أساسي في قوة الاقتصاد الإسرائيلي وقدرته على تطوير قطاعات التكنولوجيا والصحة والبحث العلمي.
ولا تقتصر دلالات تصاعد هجرة الأطباء والكفاءات من (إسرائيل) على تداعياتها داخل القطاع الصحي أو الاقتصاد، بل تمتد إلى ما يمكن أن تمثله من استنزاف تدريجي لأحد أهم عناصر القوة التي يعتمد عليها الاحتلال، وهو رأس المال البشري.
ومع استمرار الحرب وتزايد الضغوط الداخلية، فإن اتساع دائرة المغادرين وتراجع أعداد العائدين قد يفاقمان من كلفة الحفاظ على منظومة الاحتلال وقدرته على رفد مؤسساته بالكفاءات والخبرات اللازمة.
ويرى الفلسطينيون أن استمرار هذا المسار، إذا تحول إلى ظاهرة طويلة الأمد، يمكن أن يشكل عاملاً إضافياً في إضعاف بنية الاحتلال، ويصب في مصلحة القضية الفلسطينية، خصوصاً إذا ترافق مع تراجع اقتصادي واجتماعي وتآكل في قدرة (إسرائيل) على استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.

