فلسطين أون لاين

"جسر تعليمي".. منصة رقمية تسعى إلى إبقاء أطفال غزة ذوي الإعاقة على مسار التعليم

...
منصة رقمية تسعى إلى إبقاء أطفال غزة ذوي الإعاقة على مسار التعليم
غزة/ صفاء عاشور:

"لماذا يتعين على الطفل أن يتكيف مع المنهج، في حين يمكن للتقنية أن تكيف المنهج لأجله؟".. من هذا السؤال انطلقت فكرة منصة "جسر تعليمي "EduBridge"، وفق ما يوضح م. عبد الله الخطيب، المتحدث باسم المشروع، الذي يقول إن فريقًا من الشباب يعمل على تطوير منصة رقمية تجمع الطفل وولي الأمر والمعلم والأخصائي والمؤسسة في منظومة واحدة.
وتأتي الفكرة في وقت يواجه فيه أطفال غزة أزمة تعليمية عميقة بسبب الحرب والدمار والنزوح وتعطل المؤسسات التعليمية، إذ تفيد اليونيسف بأن نحو 700 ألف طفل في سن الدراسة في غزة حُرموا من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام، في حين تضرر نحو 98% من مباني المدارس.
كما أظهرت أحدث تقييمات اليونيسف أن الحرب أدت إلى اضطراب شديد في خدمات التعليم والصحة والتأهيل والحماية للأطفال ذوي الإعاقة في القطاع.
ويقول الخطيب في حديث لصحيفة "فلسطين": "إن فكرة المنصة تبلورت بعد جلسات مع أسر وأخصائيين يتعاملون مع أطفال ذوي إعاقة، إذ تبين للفريق أن المشكلة لا ترتبط برغبة الطفل في التعلم، وإنما بصعوبة توفير تعليم يراعي الفروق الفردية، إلى جانب قلق الأسر بشأن مستوى أبنائها، وتشتت العمل بين المعلمين والأخصائيين والمؤسسات".
ويوضح أن موقع "جسر تعليمي" يسعى إلى تحويل هذه الأطراف إلى فريق واحد يتمحور حول الطفل، من خلال مسارات تعليمية قابلة للتكيّف، وتقارير متابعة، ونظام للتواصل والتعاون.
لكل طفل تجربته الخاصة
ويؤكد الخطيب أن المنصة لا تتعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم فئة واحدة، مؤكداً أن النظام الحالي يدعم 12 نوعًا من الإعاقات والحالات، مع خطة للوصول إلى 40 حالة من ذوي الإعاقة الموجودة في قطاع غزة.
وتشمل الحالات التي يعمل عليها النظام صعوبات التعلم، والإعاقات الدماغية والنفسية والجسدية، والإعاقة السمعية والبصرية، إضافة إلى فرط الحركة وتشتت الانتباه، ومتلازمة داون، وضعف البصر والسمع، واضطرابات النطق والتأتأة، والإعاقة الذهنية البسيطة، وعمى الألوان والصرع، مع وجود خيار لحالات أخرى.
ويشير الخطيب إلى أنهم لا يريدون التعامل مع جميع الحالات بالطريقة نفسها، موضحًا أن لكل طفل ملف تكييف خاصًا؛ فقد يحتاج طفل إلى القراءة الصوتية وأزرار أكبر، في حين يحتاج آخر إلى تقليل الحركة والمثيرات، أو إلى تنبيهات بصرية بدل الصوت، أو تقسيم الدرس إلى خطوات صغيرة.
الطفل محور المنصة
وتربط منصة "EduBridg " الطفل بولي أمره ومعلمه والأخصائي والمؤسسة التي يتبع لها، بحيث يحصل كل طرف على الأدوات المناسبة لدوره، كما يستطيع ولي الأمر متابعة الدروس والتقييمات وملخصات التقدم والنتائج، والتواصل مع الفريق التعليمي، وطلب دراسة حالة أو مساعدة من المختصين، وفي المقابل، تبقى التقييمات المهنية وتسجيل التقدم من صلاحيات المعلمين والأخصائيين.
أما المعلم، فيستطيع إنشاء دروس وربطها باحتياجات محددة، ومتابعة تنفيذها وتسجيل النتائج، بينما يستطيع الأخصائي متابعة بيانات الطفل وتقييماته وإضافة الملاحظات والتوصيات وإدارة الجلسات وطلبات الدعم.
ويضم النظام كذلك لوحات متابعة منفصلة للطالب وولي الأمر والمعلم والأخصائي، ونظام إشعارات ومحادثات، وملفًا موحدًا للطفل يتضمن المعلومات التعليمية والتقييمات والخطط والتقدم والإنجازات.
تعليم يتكيف مع الاحتياج
ويوضح الفريق أن خدمات المنصة لا تقتصر على عرض الدروس، إذ تتضمن القراءة الصوتية، والمحتوى البصري والوسائط، والمؤقت البصري، والفواصل الذهنية، وتقليل المشتتات، والأنشطة والألعاب التعليمية.
كما يعمل الفريق على تطوير تجربة استخدام قابلة للتخصيص، تشمل الأزرار الكبيرة، والخط الواضح، والتباين المرتفع، وتقليل الحركة، ووضع الهدوء الحسي، ومنع الوميض، والتنبيهات البصرية، ودروسًا مقسمة إلى خطوات.
ويقول الخطيب:" إن إمكانية الوصول ليست "إضافة جانبية" في المشروع، بل جزء من تصميمه الأساسي، بحيث تتغير الواجهة وفق احتياجات كل طفل.
مساعد ذكي داخل المنصة
وتضم المنصة مساعدًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي يحمل اسم "نور" ، صُمم لمساعدة الطالب على فهم الدروس وتبسيط الأفكار والإجابة عن الأسئلة التعليمية المتعلقة بالقراءة والكتابة والحساب والعلوم والمهارات التعليمية.
ويشدد الخطيب على أن "نور" ليس بديلًا عن المعلم أو الأخصائي، ولا يقوم بالتشخيص الطبي أو النفسي، ولا يقدم استشارات طبية أو قانونية، ويطمح الفريق مستقبلًا إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في اقتراح المحتوى المناسب للطفل، وتبسيطه وفق مستواه، وتحليل أنماط تقدمه، مع إبقاء القرار النهائي بيد المختص.
للحفاظ على التعليم
ويرى الخطيب أن أهمية المشروع تتضاعف في غزة، إذ أصبح الوصول إلى التعليم والتأهيل أكثر صعوبة بسبب النزوح وتضرر البنية التعليمية.
وتشير اليونيسف إلى أن شركاء التعليم في غزة تمكنوا خلال النصف الأول من عام 2026 من إيصال التعليم المنظم إلى أكثر من 432 ألف طفل، بينهم نحو 9,400 طفل من ذوي الإعاقة، عبر مساحات تعلم مؤقتة. كما أفادت المنظمة بأن نحو 265 ألف طفل وصلوا إلى 173 مركز تعلم في غزة، مع توفير إحالات إلى خدمات متخصصة للأطفال ذوي الإعاقة.
وفي هذا السياق، يوضح الخطيب أن منصة "جسر تعليمي" لا يدعي إمكانية استبدال المدرسة أو مركز التأهيل، لكنه يمكن أن يساعد في الحفاظ على التواصل والمتابعة والتعليم عندما يتعذر الوصول المباشر إليها.
ويعمل الفريق كذلك على جعل المنصة أكثر ملاءمة لظروف ضعف الإنترنت، من خلال تقليل استهلاك البيانات وإتاحة بعض المحتوى للاستخدام دون اتصال مستمر.
ويقول الخطيب:" إن المشروع تجاوز مرحلة التصميم الأولي، إذ يمتلك تطبيقًا وموقعًا إلكترونيًا وبنية تقنية لإدارة المستخدمين والأطفال والدروس والتقييمات والتقدم والمحادثات والاستشارات، إضافة إلى نظام تخصيص إمكانية الوصول ومساعد" نور".
لكن الفريق يميز بين التطوير التقني والاختبار الميداني؛ إذ لم تُستكمل بعد تجربة منظمة وموثقة على عينة من الطلاب والأسر والأخصائيين، ولذلك تتمثل الخطوة المقبلة في تنفيذ تجربة (Pilot) مع مستخدمين حقيقيين، لقياس سهولة الاستخدام ومدى ملاءمة المحتوى والواجهة وفاعلية البيانات بالنسبة إلى الأسر والمعلمين والأخصائيين.
ويوضح الخطيب أن الفريق يطمح بعد ذلك إلى تطوير الخطط الفردية للطلاب، وتوسيع خصائص الوصول، وتحسين العمل في ظروف الإنترنت الضعيف، وتطوير المحتوى، وبناء شراكات مع المؤسسات التعليمية والتأهيلية والجامعات والأخصائيين.
ويختتم الخطيب بالتأكيد على أن "جسر تعليمي" ليس مجرد تطبيق للدروس، وإنما محاولة لبناء جسر رقمي يحافظ على حق الطفل ذي الإعاقة في التعلم والمتابعة والتطور، حتى في الظروف التي تجعل الوصول إلى التعليم التقليدي أكثر صعوبة.

المصدر / فلسطين أون لاين