في لحظةٍ تاريخية تفيض بالثبات والوفاء، خرجت الجماهير في خانيونس جنوب قطاع غزة في تشييع حاشد للشهيد نائل عطية أبو عبيد (أبو عطية)، قائد لواء رفح في كتائب القسام وعضو المجلس العسكري العام.
لم يكن هذا المشهد المهيب مجرد مراسم وداعٍ لرمز عسكري بارز، بل تحوّل إلى استفتاء جماهيري واسع يعكس تمسك الشارع الفلسطيني بخيار المقاومة.
التلاحم الشعبي في جنازة القائد أثبت أن غياب الرموز لا يزيد الجماهير إلا ثباتاً وتماسكاً حول ثوابتها الوطنية.
معادلة العلم والكفاح
تتجلّى فرادة السيرة الذاتية للشهيد القائد "أبو عطية" في كونه جمع بين القيادة الميدانية العسكرية والتفوق الأكاديمي والعمل المجتمعي، وهو ما جعل منه قريبا من قلوب أبناء مدينته ومخيمه "يبنا".
وفي شهادةٍ مؤثرة تنبض بالثبات والاعتزاز، رثته شقيقته قائلة: "كان نائل إنساناً خلوقاً، مؤدباً، باراً بوالديه، وخدوماً لجميع الناس، وبالرغم من مشاق الكفاح والمواجهة، أصرّ على الاستمرار في طلب العلم حتى نال درجة الدكتوراة، إلى جانب أدائه مناسك الحج".
وأضافت بصوتٍ مفعم باليقين: "المقاومة لن تتوقف باستشهاد نائل؛ فنحن في أرض رباط ومقاومتنا مستمرة ما دمنا على هذه الأرض، وربنا سبحانه وتعالى سينصر المظلومين".
امتداد لنهج الشهداء الكبار
من جهته، شدّد القيادي جمعة الغول، ممثل حركة حماس في القوى الوطنية والإسلامية، على أن القائد نائل أبو عبيد يمثل امتداداً حقيقياً لمسيرة القادة الشهداء العظام في رفح، أمثال العطار وأبو شمالة وشبانة.
وأشار الغول إلى أن الشهيد لم يكن يكتفي بإدارة معارك الدفاع عن الشعب الفلسطيني وأمته، بل كان له حضورٌ استثنائي في التفاصيل اليومية للناس، من خلال الإصلاح بين العائلات والمشاركة الفاعلة في العمل الإغاثي والإنساني.
وأردف الغول قائلاً: "الدكتور نائل كان معروفاً لدى كل طفل وشاب وامرأة ورجل في رفح بتواضعه وعطائه السخي، نال شهادة الدكتوراه في العلوم الإدارية قبل الحرب بعام ليمزج بين العلم والعمل القيادي".
وأضاف: "إن هذه الدماء الزكية تبرهن صدق المسيرة، والمقاومة لم ولن تتوقف ما دام الاحتلال جاثماً على أرضنا".
بناء الأجيال وروح المخيم
ولم تقتصر المشاعر على المواقف الرسمية والعائلية، بل انعكست بقوة في كلمات أهالي رفح ومخيماتها الذين عاصروا الشهيد القائد وعايشوا عطاءه اليومي بين أزقتها.
وفي كلمة عفوية تختزل الوجدان الشعبي، قال المواطن خالد الطويل: "أبو عطية ابن مسجد الهدى بمخيم يبنا، صنع أجيالاً ورجالاً ملتزمين بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والدفاع عن الحق وعقيدتهم ووطنهم، كان منا وفينا، وعطاؤه سيبقى حافراً في قلوب الجميع".
إن هذه الشهادات الحية تعكس حجم الرصيد الشعبي الذي تركه أبو عبيد في قلوب أبناء مدينته، حيث امتزجت لديه السيرة النضالية بالالتزام الأخلاقي والتربوي.
رسالة ثبات في وجه العدوان
إن هذا الحشد الجماهيري الغفير يحمل في طياته دلالات سياسية وميدانية عميقة؛ فهو يؤكد أن الحاضنة الشعبية للمقاومة متجذرة ومستعدة لتحمل التضحيات الجسام في سبيل انتزاع حقوقها المشروعة، كما ترسل المشاركة الشعبية رسالة واضحة لكل من يراهن على انكسار المقاومة؛ مفادها أن استشهاد القادة لا يورث الفراغ، بل يصنع أجيالاً جديدة تؤمن بمسيرتهم وتواصل حمل الراية.
يغادر القائد نائل أبو عبيد ميدان الدنيا بعد مسيرة طويلة من التضحية والعطاء، لكن الأثر الذي تركه في نفوس أبناء شعبه سيبقى محركاً أساسياً للإصرار والصمود، لتبقى رفح وأهلها كما كانت دوماً، قلعةً للثبات وعنواناً للوفاء لشهدائها.

