فلسطين أون لاين

ناجون وشهود عيان يروون لـ"فلسطين" مشاهد من الكارثة

لم يكن هناك بديل.. عمارة آيلة للسقوط تحولت إلى مقبرة لـ21 نازحًا بغزة

...
عمليات إزالة الركام وانتشال شهداء ضحايا انهيار عمارة السعادة قرب مفترق الصناعة في مدينة غزة (تصوير محمود أبو حصيرة)
غزة/ يحيى اليعقوبي:

كانوا يعلمون بالخطر الذين يعيشون داخله وينامون تحت طوابق متصدعة يدركون أنها قد تنهار عليهم في أي لحظة، وكان بعضهم يبحث عن أماكن بديلة للانتقال إليها دون أن يجدوا مساحات فارغة في غرب مدينة غزة أو شرقها على مقربة من الخط الأصفر، ليكون العيش في عمارة "السعادة"، الواقعة قرب مفرق الصناعة بحي الرمال بمدينة غزة، الآيلة للسقوط بفعل القصف الإسرائيلي خيارًا وحيدًا، بالرغم من تحذيرات الجهات المختصة المتكررة والجيران لهم بوجود احتمالية عالية للانهيار على من فيه.

قرابة الساعة الثانية والنصف من فجر الأربعاء، تخلخل المبنى المتصدع بسبب القصف المكون من أربعة طوابق بشكلٍ مفاجئ على عدة عائلات نازحة، وهي عائلات: السوطري والعجلة، وعدس، وسعدة، وأبو راس واهتزت جدرانه وكأنه زلزال شعروا به لكن لم تكن أمام أي منهم فرص للنجاة مع سرعة الانهيار. ليعيشوا الكارثة نفسها لحظة انهيار المبنى عليهم، الذي أدى، وفق الحصيلة حتى مساء أمس، لاستشهاد 21 مواطنا بينهم 6 نساء و9 أطفال، وإصابة 45 فردًا كانوا داخل المبنى لحظة الانهيار.

قبل الانهيار كان محمود السوطري نائمًا هو وعائلته، ليستيقظ على صوت اهتزاز استمر لعدة ثوانٍ ثم تهاوى المبنى به، في لحظة اعتقد أنها النهاية، ليجد نفسه محاصرا بين الركام مع بقاء ممر بعرض مترٍ مفتوحًا، فكان ممرا لنجاته هو وأربعة من أفراد أسرته كانوا معه، إضافة لعائلة شقيقه المكونة من ستة أفراد كانوا بالغرفة المجاورة له نجوا أيضًا، وكانوا يقيمون بالجهة الشمالية من المبنى.

ومالت طوابق الجهة الشمالية والشرقية في أثناء الانهيار على شكل مدرج مع ترك فراغات بين الطوابق، في حين أطبقت طوابق الجهة الغربية والجنوبية للمبنى بشكل كامل، ما مكن عائلة السوطري وعائلات أخرى من النجاة.

يجلس الناجي محمود السوطري على حزام أسمنتي بجانب المبنى المنهار مع ساعات الظهيرة، كان يراقب أعمال البواقر والجرافات التي كانت تكسر الأحزمة والأسقف وتبحث عن المفقودين والضحايا، ويرى بوضوح الممر الذي عبر فيه إلى الحياة من جديد، في حين كان قريبا في تلك اللحظة من الموت.

بعلامات صدمة، يروي السوطري لصحيفة "فلسطين": "كنا ثماني عائلات ونزيد على 70 فردا، سقطت العمارة بنا بشكل مفاجئ. بين العتمة سمعت أصوات الجيران وكانوا ينادون وبدأنا أيضا بالصراخ وطلب النجدة، كنت أسكن على أطراف الجهة الشمالية ما مكننا من النجاة، أما خالي الذي يسكن بالطابق السفلي فاستغرقنا نحو نصف ساعة في محاولة الوصول إليه بنفس الممر وإخراجه هو وأولاده وأخرجناه حيا وبينهم مصابون. كان السقف طابقا عليهم".

بينما يشير للمكان الذي خرجوا منه، يقفز أمامه صوت خاله المرتعد: "كان يلهج بالدعاء والتضرع إلى الله، في حين كانت الطواقم تحاول الوصول إليه والحفر لأنه كان في الطابق السفلي وينطلق الشهادتين في الوقت نفسه، في اللحظات الأخيرة استغربنا كيف أننا خرجنا على قيد الحياة من تحت الأنقاض".

خطر وغياب البديل

كان السوطري والعائلات الأخرى يدركون أنهم يعيشون في خطر كان يراه من يعيشه بداخله أو من يعيش في المحيط وحتى الجهات المختصة، وأضاف بنبرة مليئة بالعجز: "لم يكن هناك بديل، كانت العمارة مائلة وجاءتنا جهات مختصة وأخبرونا بالخطر وطلبوا منا الإخلاء، وكنا دائما وبشكل يومي نبحث عن أماكن بديلة لكن دون جدوى ولو وجدنا مكانا لانتقلنا إليه وتركنا الحياة داخل الخطر. سكنا المكان منذ عشرة أشهر وكل يوم كنا نبحث ولم نجد أي مكان فارغ".

فصل متران فقط بين أكوام الركام التي انهارت وخيمة طلال الحرازين التي كانت تبعد عدة أمتار عن المبنى، فكانت خيمته قريبة من أن تدفن في أثناء نومه مع أطفاله. استيقظ الحرازين على صوت سقوط المبنى، وصوت صراخ الناجين الذين خرجوا من فتحات فوق سطح المبنى، أو العالقين الذين كانوا يطلبون النجدة، لم يكن هو الآخر بعيدا عن تلك الأصوات فكان الجيران ينادون عليه معتقدين أن خيمته دفنت تحت الركام، فأشار إليه بضوء هاتفه ثم نقل أطفاله المرتعدين لمكان آمن وعاد يساعد في إخراج الأحياء، فكانت إشارة حياة.

في نهاية عمليات البحث عن المفقودين، كان الحرازين الذي تمتلئ ملابسه ورأسه بالغبار من أثر العمل المتواصل، يحاول رفع الحجارة التي تصل لمكان خيمته إثر عمليات البحث ورميها بعيدًا، يركض بالقرب من البواقر محاولا منع تضرر إضافي لخيمته.

بجسد مرهق وقلب مكلوم على وداع بعض أفراد العائلات الذين كانوا له جيران النزوح، يحكي لصحيفة "فلسطين": "عندما سقط المبنى لم أرَ شيئا لعدة دقائق من شدة الغبار. ثم أضأت ضوء الهاتف. كان المشهد صعبًا، قمت بإخراج بعض أدوات الحفر وفأس لدي واستعملناهم في الدقائق الأولى مع بدء وصول طواقم الدفاع المدني وانتشلنا عشرة شهداء، وقد كان أصعب المشاهد مشهد انتشال الأطفال".

طواقم الدفاع المدني

بإمكانات بسيطة وبدائية بذلت طواقم الدفاع المدني جهودًا كبيرة في إنقاذ 45 شخصًا أحياءً، بالرغم من وصول الطواقم دون بواقر وجرافات، فقد حضرت بعد ساعة من الحدث بعد التواصل مع اللجنة المصرية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئة العربية للإعمار ومكتب الأمم المتحدة (UNDP) التي جلبت باقرين وعددا من الكباشات والشاحنات التي تعاملت مع مبنى كبير يمتد مساحة البناء فيه على نحو نصف دونم ويرتفع لعدة طوابق.

منذ الدقائق الأولى للحدث وصل مدير مركز الدفاع المدني بمنطقة الرمال نزار البرديني وفريقه للحدث، ليجد نفسه أمام حدث يفوق إمكانيات الجهاز، ويروي لصحيفة "فلسطين" في حين كانت ملابسه تمتلئ بالغبار من أثر العمل المتواصل وتحسبه من شدة انهماكه بالعمل فردا من الطواقم: "كنت بالبيت، وعند ورود الإشارة وصلت إلى المكان، وبدأنا بالعمل واستدعاء طواقم أخرى من مراكز الدفاع المدني بحي التفاح وشمال القطاع، وإطلاق مناشدات للشركاء".

وأضاف: "الحدث كان أكبر من إمكانيات الجهاز، لأن مقدراتنا متهالكة، ووصلنا ببعض الأدوات البسيطة بالمطارق وأدوات الجرف والحفر والفأس والكونغو ومقص كهربائي (حجر جلخ)، ووصلت البواقر في حدود الساعة الرابعة".

عن تعاملهم مع الحدث، تابع: "عندما وصلنا عرفنا العدد وأخرجنا 25 مصابا، وهناك نحو 20 شخصا خرجوا قبل وصولنا، وبدأنا البحث عن المفقودين الأموات بعد إخراج الأحياء، أرشدتنا طفلة من عائلة العجلة عمرها (15 عاما) لمكان وجود عائلتها وأعدادهم وأخرجنا 8 منهم شهداء".

ومن المشاهد التي أثقلت ذاكرته، صوت مناجاة لطفلة من عائلة أبو سعدة وعندما وصلت إليها الطواقم كانت بالمراحل الأخيرة وتلتقط أنفاسها، وبالرغم من إخراجها حيّةً فإنها توفيت بالمشفى"، لافتا إلى أن الحديث ينذر بكارثة محدقة بقطاع غزة، نظرا لوجود مئات المنازل الآيلة للسقوط، إذ تثقل مياه المطر أسقف المنازل الآيلة التي يمكن أن تسقط.

وأكد أن الدفاع المدني كان يعلم بوضع المبنى وأبلغ العائلات بالخطر المحدق بهم، لافتا إلى أن بعضهم استجاب ورحل، وهناك من لم يستجب لعدم وجود البديل.

على ناحية أخرى من مسرح الحدث، كان علي حواس وهو رائد بجهاز الدفاع المدني يتابع أعمال البحث عن المفقودين، إذ كانت الطواقم تنتشر فوق طبقات المباني وبجانب البواقر والجرافات التي كانت تزيل الردم بحثا عن خمسة مفقودين بقوا تحت الأنقاض، استطاعت الطواقم انتشال طفلة صغيرة ليصل عدد من انتُشلوا حتى الساعة الواحدة من ظهر الأربعاء 21 ضحيةً.

ويقول حواس لصحيفة "فلسطين": "منذ لحظة وصولنا انتشرت الطواقم في أكثر من نقطة وكان تركيز البحث في المنطقة الشمالية تحديدا بمكان وجود عائلة العجلة، وعملنا لساعات طويلة، من أقسى المشاهد التي مرت علي مشهد لطفلة أخرجناها حية وكانت تبكي تريد إخراج شقيقها وعندما بحثنا عنه أخرجناه ميتًا، انهارت الطفلة وكانت لحظة قاسية".

من المعوقات التي واجهتها الطواقم، عدم امتلاك معدات ثقيلة خاصة بالجهاز بعد تدمير 90% من مقدرات الجهاز، ما صعب عمل الطواقم التي واجهت مبنى هائلا بمطارق وأدوات بدائية، ما اضطر الجهاز لوقف عمليات البحث عن جثامين الشهداء المفقودين وتوجيه كل الفرق لمكان الحدث، وتمت الاستعانة بفرق من المحافظة الوسطى وشمال القطاع.

المصدر / فلسطين أون لاين