فلسطين أون لاين

التنسيق الأمني تحول إلى أداة لملاحقة المقاومة والفعل الوطني

حوار خريشة: أوسلو لم يكن طريقًا إلى الدولة بل مثَّل مدخلًا لإدارة الاحتلال

...
النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي د. حسن خريشة،
غزة- نابلس/ عبد الله التركماني:

 قال النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي، د. حسن خريشة، إن اتفاق أوسلو الموقع بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1993، "لم يكن مسارا متعثرا نحو إقامة الدولة الفلسطينية بقدر ما كان مدخلا لإدارة الاحتلال"، عادا أن أخطر ما ترتب عليه تمثل في نقل القضية الفلسطينية من مشروع تحرر وطني إلى عملية تفاوضية مفتوحة، في حين واصلت (إسرائيل) توسيع الاستيطان وترسيخ سيطرتها على الأرض.

وأضاف خريشة في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس بمناسبة الذكرى الثالثة والثلاثين لتوقيع الاتفاق، أن الفلسطينيين "دفعوا الثمن السياسي والأمني مقدمًا"، في حين بقيت القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والمياه والسيادة، معلقة من دون ضمانات حقيقية لإنهاء الاحتلال.

ورأى أن تجربة العقود الثلاثة الماضية أثبتت أن أوسلو لم يقرب الفلسطينيين من الدولة، بل أتاح لـ(إسرائيل) "فرصة لإدارة احتلالها بأقل كلفة، وتحت غطاء عملية سياسية لا تنتهي".

ويؤكد خريشة أن الاستيطان وتقطيع أوصال الضفة الغربية والتنسيق الأمني تمثل أبرز مخرجات المسار الذي بدأ عام 1993، محذرا من استمرار الرهان على مفاوضات مفتوحة لا تستند إلى تغيير موازين القوة أو ضمان إنهاء الاحتلال.

ويشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب "مراجعة وطنية شاملة" لمرحلة أوسلو، ليس بهدف تبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الانقسام، وإنما لاستعادة البوصلة السياسية وإعادة بناء المشروع الوطني على أساس التحرر والوحدة والتمسك بالحقوق الفلسطينية.

ويختصر خريشة رؤيته بالقول: "لا دولة مع الاستيطان، ولا سيادة مع الحواجز، ولا استقلال مع التنسيق الأمني، ولا سلام مع إنكار حقوق شعب كامل".

ويؤكد أن الرسالة الأهم بعد 33 عاما من توقيع الاتفاق هي أن "فلسطين ليست مشروع حكم ذاتي محدود، وليست ملفا أمنيا، وليست أرضا قابلة للتجزئة؛ فلسطين قضية تحرر وطني، وحق شعب في الحرية والعودة والاستقلال والسيادة الكاملة".

بالنسبة إلى خريشة، لا يمكن اختزال تجربة أوسلو في سؤال يتعلق بما إذا كانت (إسرائيل) قد التزمت ببنود الاتفاق أو أخلت بها، لأن جوهر المشكلة، كما يرى، يعود إلى طبيعة الاتفاق نفسه والأسس التي قام عليها.

ويقول: إن "المشكلة في أوسلو لم تبدأ عندما امتنعت (إسرائيل) عن تنفيذ وعودها، بل بدأت يوم بُني الاتفاق نفسه على معادلة غير متكافئة: اعتراف والتزامات فلسطينية واضحة ومباشرة، مقابل وعود إسرائيلية مؤجلة ومسار تفاوضي بلا ضمانات حقيقية لإنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية".

ويرى أن الفلسطينيين دخلوا الاتفاق في إطار وعود سياسية تتحدث عن مرحلة انتقالية تقود في نهايتها إلى الدولة، لكن السنوات التالية أظهرت، بحسب تقييمه، أن تلك المرحلة لم تتحول إلى مسار نحو الاستقلال.

ويضيف: "لقد قُدّم أوسلو للفلسطينيين تحت عناوين السلام والمرحلة الانتقالية والدولة المستقلة، لكن ما جرى عمليا هو أن شعبنا دفع الثمن السياسي والأمني مقدما، في حين بقيت القضايا المصيرية معلقة: القدس، واللاجئون، والمستوطنات، والحدود، والمياه، والسيادة".

ولا يعد خريشة إبقاء هذه الملفات معلقة مجرد تفصيل تفاوضي، بل يرى أنه مس جوهر القضية الفلسطينية، بعدما ترك القضايا الأساسية "في مهب السياسة الإسرائيلية وموازين القوة".

من التحرر الوطني إلى إدارة السكان

ويضع خريشة مسألة طبيعة الدور الذي نشأ بعد أوسلو في صلب انتقاداته للاتفاق، معتبرا أن أخطر ما ترتب عليه كان نقل مركز الثقل من مواجهة الاحتلال إلى إدارة السكان الواقعين تحت الاحتلال.

ويقول: "أوسلو لم يُنهِ الاحتلال، بل أعاد ترتيب أدواته. لم يمنحنا السيادة، بل منح الاحتلال فرصة لإدارة احتلاله بأقل كلفة، وتحت غطاء عملية سياسية لا تنتهي".

ويعتقد أن هذه المعادلة ساهمت في خلق واقع سياسي وأمني قيد الحركة الوطنية الفلسطينية، بدلا من أن يفتح الطريق أمام التحرر والاستقلال.

وبحسب خريشة، فإن استمرار المرحلة الانتقالية وتحولها إلى واقع طويل الأمد أفرغا فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها، في وقت كانت فيه (إسرائيل) تواصل تعزيز سيطرتها على الأرض.

وعند تقييم نتائج المسار الذي بدأ عام 1993، يستند خريشة إلى ما يعتبره التحول الواضح في الواقع الميداني، وفي مقدمته تضاعف الاستيطان ومصادرة الأراضي وتقطيع أوصال الضفة الغربية بالحواجز والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية.

ويؤكد أن حكومات الاحتلال المتعاقبة لم تتعامل مع أوسلو باعتباره مرحلة انتقالية تنتهي بإنهاء الاحتلال، بل استثمرت المرحلة لتكريس وقائع جديدة.

ويقول: "(إسرائيل) لم تتعامل مع أوسلو باعتباره جسرا يقود إلى إنهاء الاحتلال، بل باعتباره فرصة لتثبيت الاحتلال وتوسيعه".

ويضيف أن كل حكومة إسرائيلية جاءت بعد أوسلو أضافت، بدرجات مختلفة، إلى مشروع الاستيطان ومصادرة الأرض وتوسيع السيطرة، حتى أصبح الحديث عن دولة فلسطينية متصلة وذات سيادة يصطدم بخريطة صنعتها "الجرافات والمستوطنات والاقتحامات".

ويرى خريشة أن المقارنة بين ما كان مطروحا عام 1993 وما آلت إليه الأوضاع اليوم تكشف اتساع الفجوة بين الوعد والواقع.

ويقول: "حين نقارن بين صورة الدولة التي بُشّر بها شعبنا عام 1993 وبين واقعنا اليوم، نجد أن الفارق ليس بين حلم تحقق وحلم تعثر، بل بين وعود سياسية وواقع استعماري توسع وتعمق".

ويشير خريشة إلى أن بقاء قضايا القدس واللاجئين والاستيطان والحدود والمياه والسيادة خارج الحل النهائي طوال هذه السنوات جعل الاتفاق، من وجهة نظره، عاجزا عن معالجة أصل الصراع.

ومن هنا، يرفض خريشة النظر إلى أوسلو باعتباره مجرد مشروع سياسي لم يكتمل بسبب التعنت الإسرائيلي، ويرى أن المشكلة أعمق من ذلك.

ويقول: "السؤال الأعمق هو: هل كان الاتفاق عادلا وقادرا منذ البداية على إنتاج الحرية والسيادة؟ والإجابة واضحة: لا".

ويضيف أن الاتفاق "منح الاحتلال الوقت، وأعطاه غطاء سياسيا، وقيد الفلسطيني بالتزامات لا تقابلها حقوق مضمونة".

التنسيق الأمني

ويولي خريشة قضية التنسيق الأمني أهمية خاصة في تقييمه لمخرجات أوسلو، إذ يصفه بأنه "من أخطر مخرجات مرحلة أوسلو".

وبحسب رؤيته، لم يكن التنسيق الأمني إجراء محايدا أو ترتيبا فنيا عابرا، وإنما أصبح في مراحل مختلفة جزءا من بنية العمل السياسي والأمني الفلسطيني، وأثر في علاقة السلطة بالقوى السياسية والمجتمع.

ويقول: "لقد تحول التنسيق الأمني، في مراحل عديدة، إلى أداة لملاحقة قوى المقاومة واعتقال عناصرها وتفكيك بنيتها ومصادرة سلاحها، بينما كان الاحتلال يواصل اعتقالاته واقتحاماته واغتيالاته واستيطانه".

ويرى أن المفارقة تكمن في مطالبة الفلسطينيين بالمحافظة على التزامات أمنية في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال عملياته العسكرية والسياسية على الأرض.

ويقول: "هذه معادلة لا يمكن قبولها وطنيا ولا أخلاقيا: أن يُطلب من الفلسطيني حماية أمن الاحتلال، في حين لا يلتزم الاحتلال حتى بوقف عدوانه على الفلسطينيين".

ويعتقد خريشة أن استمرار هذه المعادلة لم يحمِ الفلسطينيين من الاحتلال، بل عمق الصدام الداخلي واستنزف الحالة الوطنية وأضعف الثقة بين المجتمع وقواه السياسية.

ويضيف: "لا يمكن بناء مشروع تحرر وطني بأدوات تُستخدم لتقييد المقاومة وتجريم الفعل الوطني".

ويؤكد خريشة أن المطلوب استخلاص الدروس وإجراء مراجعة وطنية شاملة.

ويشير إلى أن التحذيرات من مخاطر الاتفاق لم تبدأ بعد سنوات من توقيعه، بل صدرت منذ اللحظة الأولى عن شخصيات وقوى فلسطينية رفضت الاتفاق وحذرت من غياب الضمانات ومن تحويل الحقوق الوطنية إلى أوراق تفاوضية.

كما يشير إلى أن المراجعات لم تبقَ محصورة في القوى الفلسطينية الرافضة لأوسلو، وإنما ظهرت لاحقا داخل حركة فتح ومنظمة التحرير، بعدما اتضح أن الوعود السياسية لم تتحول إلى دولة، وأن المرحلة الانتقالية لم تكن انتقالا فعليا نحو الاستقلال.

المصدر / فلسطين أون لاين