فلسطين أون لاين

"هآرتس" و"بتسيلم" وبقايا اليسار.. أدوات الغرب لتجميل وجه (إسرائيل) وغسل يدها

برزت خلال الأشهر الأخيرة حالة من التركيز العالمي سياسيًا وإعلاميًا على تحميل حكومة نتنياهو منفردةً مسؤولية الإبادة والجرائم المرتكبة بحق المدنيين العُزّل في قطاع غزة، مع إفراد مساحات أخرى للتعامل مع "إسرائيل" وتياراتها البعيدة عن الحكم حاليًا بهدف دعمها وتصديرها لتتولى مرحلة ترميم الصورة وأزمة الرواية التي استثقلت (إسرائيل) وداعموها تداعياتها لأول مرة منذ اصطناعها، عبر محاولة وصفها بأنها دولة قانون ونظام اختطفت لأجندة نتنياهو وجوقة المتطرفين المحيطة به، والذين لا يمثلون إسرائيل كيانًا ومستوطنين في إجراءاتهم وسياستهم الإبادية.

إذ تعتمد الإستراتيجية الغربية على انتقاء إجراءاتها العقابية بحق قطاعات محددة في دولة الاحتلال، بشكل يحقق للحكومات الغربية استجابة منضبطة لمطالب الرأي العام الداخلي لديها بما يضمن تنفيس تلك المطالب، وبما لا يضر أو يحمّل الاحتلال أي تداعيات فعلية تتناسب ولو شكليًا مع حجم الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين واللبنانيين منذ 3 أعوام.

وتزامنًا مع استعدادات الأطراف الساعية غربيًا وعربيًا للتأثير في المشهد الانتخابي لدى الاحتلال؛ تبرز حاجة تلك الأطراف لدعم وتصدير من يمكن التحدث معه داخل الكيان ويكون قادرًا على "عقلنة" سلوكه الإجرامي في المنطقة، ويسلط المقال الضوء على بعض العناوين التي تسعى من خلالها منظومة الغرب إلى تجميل وجه الاحتلال وترميم صورته.

 الإجرام بصفته حالة فردية لا تمثل (إسرائيل)

نقلت صحيفة وول ستريت جورنال في تغطيتها للتطورات على الساحة الفلسطينية من يوم الجمعة 14/8/2026 تصريحات عن ما سمته "مسؤولًا حكوميًا في إسرائيل" رفضهم لسلوك المستوطنين في قصرة بنابلس شمال الضفة الغربية، كما نقلت عن "عسكري إسرائيلي عائد من الضفة": "قيادتنا تركت المشكلة تخرج عن السيطرة، والسلطات منحت المستوطنين الضوء الأخضر لفعل ما يحلو لهم، ما زاد العبء على القوات التي بات عليها التنظيف وراء المستوطنين".

بمثل هذه الأخبار والتصريحات تحاول المنظومة الإعلامية الغربية تجزيء الإجرام وتقسيم المسؤولية على أطراف كثيرة داخل الكيان الإسرائيلي، ليظهر بأن ثمة في إسرائيل من يختطف قرار التصعيد ضد الفلسطينيين، وأن قوات الجيش -التي قتلت ما يزيد عن 100 مدني من الضفة الغربية منذ مطلع العام- تتعامل بشكل مهني مع كل مظاهر "الإرهاب" في الضفة سواء كان مصدره فلسطينيًا أو يهوديًا.

كما عُرض في العاشر من سبتمبر الجاري في مهرجان البندقية فيلم يحمل اسم "نازا" لمخرجين من تل أبيب يقدم شهادات عسكريين إسرائيليين عن قتل المدنيين في غزة، فيصفّق الجمهور لصنّاعه نحو نصف ساعة، في مفارقة عجيبة يُقتل فيها الفلسطيني، ويُحتفى بعدها بالإسرائيلي بوصفه بطلًا أخلاقيًا تجرأ على الاعتراف بالخطأ، وتفرد المساحة بعدها لتحليل ومؤازرة الجاني المصدوم والمثقل بعقدة الذنب، ليتحوّل محتاجًا للتعاطف والدعم بدلًا من الضحية التي لا يزال دمها يقطر من يديه.

الاستثمار في "بقايا اليسار" لدى الاحتلال

أما فيما يتعلق بغسل الفظائع والأهوال التي ارتكبتها دولة الاحتلال بكل مكوناتها وقطاعاتها وتياراتها، فتظهر المنظومة الغربية وبالتنسيق مع خارجية الاحتلال نسقًا آخر في هذا الشأن، إذ تفتح المجال لهامش متسع نسبيًا لأقلام وإعلام بقايا اليسار في دولة الاحتلال، بحيث يتم تصدير وتسليط الضوء على هذا الصوت الخافت داخل الاحتلال، والذين فشلوا في اجتياز نسبة الحسم لانتخابات 2022، بهدف تضخيم هذا الصوت الذي قد يتوقف مستقبلًا عن التحدث بالعبرية لعدم وجود من يسمعه داخل إسرائيل نفسها، فيما تحرص منظومة الاحتلال على إبقائها تعمل لمغازلة المتوهمين سياسيًا بأن لليسار الإسرائيلي وجود.

وهنا تبرز الحاجة الغربية -إلى جانب أطراف عربية- في إيجاد أدوات تجميل وديكور تساهم في ترميم الصورة، عبر الترويج والاستثمار في مؤسسات خاوية على عروشها من مثل صحيفة هآرتس اليسارية التي أعطيت مؤخرًا "قبلة حياة" بمناورة تسريب خبايا التحذيرات الموجهة لنتنياهو قبل السابع من أكتوبر.

في حين تلعب منظمة بتسيلم دورًا أكثر مهنيةً في السياق التجميلي، إذ ركزت في آخر تقاريرها على توثيق حجم الإجرام في قتل الأطفال بالضفة الغربية على يد جيش الاحتلال ومستوطنيه، وتوجّه تركيزها في تقريرها الآخر حول سجون الاحتلال والانتهاكات بحق الأسرى داخلها، وهما ملفان يهدفان حصرًا لزيادة الضغط على تيار سموتيرتش- بن غفير في حكومة الاحتلال.

أما فيما يتصل بالفظائع المرتكبة في القطاع، فترى يولي نوفاك، المديرة العامة لمنظمة بتسيلم: "ثمة سياق للإبادة الجماعيّة التي ننفذها. بعد عقود من الفصل وتجريد الفلسطينيين من صفاتهم الإنسانية، ولّدت فظائع 7 من تشرين الأول قلقًا وجوديًا عميقًا بين الإسرائيليين. وتقوم الحكومة اليمينية المتطرفة ذات النزعة الدينية المجيئية باستغلال هذه المشاعر للدفع قُدُمًا بأجندة الإبادة والتهجير".

أي أن الإبادة بحق الفلسطينيين يتحمل الفلسطينيون أنفسهم مسؤوليتها، لكون أحداث السابع من أكتوبر أججت "مشاعر القلق لدى المستوطنين المسالمين" واستثمرت ذلك "حكومة شريرة" ستأتي انتخابات جديدة بغيرهم، وتستمر إسرائيل كدولة أخلاقية وواحة للديمقراطية في الشرق الأوسط بعد انتهاء هذه الحقبة المؤقتة جدًا والتي اضطرت إليها إسرائيل اضطرارًا.  

تنفيس الاحتقان العالمي في مسارات وهمية

تتصدر بريطانيا حاليًا جهد تنفيس الرأي العام الغربي المعارض والكاره لـ(إسرائيل)، بفرض عقوبات اقتصادية تمنع التجارة ليس مع (إسرائيل) كلها، وإنما مع مستوطناتها غير القانونية في الضفة الغربية فقط، وهي ذاتها من شاركت في الجهد الحربي والاستخباري المباشر ضد قطاع غزة، وسبقتها إلى ذلك فرنسا التي حملت مشروع حل الدولتين للأمم المتحدة بعد أن منحت الشرعية والغطاء للاحتلال في بداية إبادته لفعل ما يريد في كل من غزة والضفة ولبنان.

وهكذا وفقًا للمنظور الغربي تتحمل (إسرائيل) تداعيات إبادتها الممنهجة لأكثر من 100 ألف إنسان، واستهدافها لمقومات حياة ملايين البشر بحظر منتجات بعض مصانعها، وإحراج حكومة (إسرائيل) في فيلم سينمائي أو مسرح دولي شكلي.
في حين تؤسس تلك الإجراءات الغربية لسياسة اختزال البنية في الأشخاص ليُعاد تأطير الإبادة والتهجير والاقتلاع البنيوي -وهي سياسات قام عليها الوجود الاستيطاني منذ عقود- لتصبح مجرد "أخطاء فردية" أو "سلوكيات حكومة يمين يسهل تغييرها في الانتخابات القادمة". 

ويكرس هذا المسار نهج "الاعتراف بديلًا عن العقاب": فبدلًا من أن يكون الاعتراف مقدمة للعقاب، فإن هذا الاعتراف يُصمَّم ويعاد إنتاجه ليكون هو "العقاب والحل" في آن معًا؛ فيكتفي الجاني بالتعبير عن ندمه الفني أو الأدبي، ليحصل في المقابل على تصفيق الحضور وإشادة النقاد بشجاعته، بينما يبقى الضحية في القبر أو خيمة اللجوء.

وفي خلاصة المشهد فإن استمرار الترويج والتعاطي مع الرواية الإسرائيلية في النقد المحسوب، إسهام مباشر في جهد دعائي يخدم الاحتلال تُزاح به الضحية عن مركز الحدث، لتصبح المعاناة الحقيقية -في عين الغرب- هي الكدر والعبء الأخلاقي الذي يشعر به المجند وهو يمارس الإبادة!

المصدر / فلسطين أون لاين